الحدود السورية الأردنية مباشرة. وعندما وصلنا مدينة درعا بعد منتصف الليل سلموني للشرطة المدنية هناك. وتقدم هؤلاء فسلموني بدورهم إلى المخابرات الأردنية على الطرف الآخر من الحدود، ولم يزيدوا عن أن قالوا لهم أنني كنت موقوفًا لديهم. فلما استلمني الأردنيون وسألوني عن جوازي أو وثيقة تثبت شخصيتي لم أجد شيئًا أقدمه لهم. فعاد واحدهم وسألني منذ متى تم توقيفي. سألته: ما اليوم؟ قال: 29 كانون الأول 1991. قلت أرد على سؤاله: منذ أكثر من إحدى عشرة سنة إذًا. منذ الثامن من تشرين الأول عام 1980. فكاد الرجل يصعق من المفاجأة. وعندما وصلت والدتي ووالدي وأختي بعد ساعات لاستلامي لم تكن مفاجأتهم أقل منه وهم يرون ولدهم الذي غادرهم ابن تسع عشرة سنة عاد إليهم اليوم ابن إحدى وثلاثين. ناحل الوجه، حليق الرأس، منهك القوى، يرتدي ملابس العسكريين الكاكي وحذاء الجيش. ووجدتني أمام أهلي الذين غادرتهم أصحاء أشداء أنهكتهم بدورهم السنون وهدتهم اللوعة.
وهرعت إلى يدي والدي رحمه الله أقبلهما وإلى أمي أحضنها وأطلب منهما السماح. وجعلت والدتي تنظر في وجهي تتفرس فيه وتقول لي: أنت محمد؟ أكيد أنت محمد! وتناولت يدي تقلبها وتُبَحِر فيها ولا تكاد تصدق! وتناولت أنا يديها ألثمهما وأطلب منها مجددًا الرضا والسماح. وتدفقت عبراتنا جميعًا وخنقنا النشيج. واحدودب بعضنا على بعض وكأننا نتقي جورة الزمان وتربص المتربصين.
وأقفلت بنا السيارة تعود بي إلى بيت أهلي الغوالي بعد غيبة عقد ونيف من الزمان .. وكرت الأسئلة وتدفقت الحكايات .. وانفجرت الأحزان والآلام والحسرات حبيسة دهر من الزمان. دهر كل لحظة فيه كانت أثقل من الدهر كله .. وكل زفرة أو شهقة من أيامه لها حكاية تحكى .. ولوعة تفري الكبد .. وذكريات وشجى. لا توفي وصفها قواميس الأرض .. ولا تسبر أغوارها من الكلمات شيء .. ولا يمسح حرها إلا الرحمن الرحيم.
وبعد ..
فها هي ذي صفحات من ذكريات المحنة التي قدر لي أن أعيشها في سجون النظام السوري قد باتت جاهزة للتو تنتظر دورة المطبعة تأخذ مجراها. وإني إذ أحمد الله تعالى الذي يسر لي إخراج هذه الذكريات على شكل كتاب .. وأشكره من قبل ومن بعد أن نجاني وفرّج عني ومنّ بالحرية علي .. أود أن أسجل بعض نقاط أراها جديرة أن أختتم بها كتابي هذا، سائلًا الله تعالى النفع والقبول.
1 -مرت عدة سنوات على خروجي من سجن تدمر مررت فيها بظروف عديدة متغيرة، مما جعلني أنسى الكثير مما شاهدت ورأيت وسمعت في تلك المحنة الرهيبة. ولقد حاولت فيما كتبت أن