فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 711

ومضى الباص بنا يزمجر على هذا الخط الضيق يسرع ساعة ويبطؤ أخرى. ونحن فيه كأننا الأطفال في أرحام أمهاتهم نشاهد العالم في الخارج من غير أن ندرك علاقتنا به أو مصيرنا فيه. والمشاهد من حولنا تتسارع وتتغير وتتبدل. والوجوه والبيوت والبهائم والسيارات والغيوم والسماوات كلها كالكلمات الغريبة في قاموس لغة نسيناها منذ أكثر من عقد خلى!

وارتددت إلى نفسي لحظة فجعلت أتذكر المنام الذي شاهدته قبل بضعة أيام وحسب. وجعلت أقارن الباص الذي ركبته في المنام وهذا الباص الذي يقلنا الآن. والجمع الذين هرعوا في الرؤيا لمرافقتي وجمع الإخوة الذين معي. ورئيس المخابرات العسكرية هناك وجنده هنا. ووجدتني من غير إرادة مني أتبسم وقد نسيت كيف تفتر الشفاه عن ابتسامة سعد. وأتجه بجوارحي كلها إلى الله العلي الرحيم أود أن أسجد له كل عمري شاكرًا. فلم تجبني من كل هاتيك الجوارح المأخوذة بتسارع الأحداث وقتها إلا دمعة حرى طفرت من عيني على وجل.

وأسرع السائق بالحافلة .. وأسرعت بنا الخواطر والخيالات والتساؤلات والأماني والمخاوف كلها تتراكض فينا معًا. وعبرنا تدمر المدينة من غير أن نلفت فيها نظر أحد. وتخطينا حمص مرقد خالد بن الوليد تغشاها كآبة ووحشة .. وأشرفنا على دمشق عاصمة الأمويين والمجد والفتوحات بالأمس .. ومهد المظالم والقهر ووكر الطائفية اليوم. وأكمل الباص بنا إلى فرع المخابرات العسكرية من جديد. وتسلمنا الزبانية كالعادة تغيرت وجوههم وأسماؤهم ولم يتغير من عدوانيتهم شيء. وبعد أن أخذوا أسماءنا وتسلموا أماناتنا أدخلونا على واحد من المهاجع تحت الأرض لنقضي ليلتنا هناك.

صفحة جديدة!

وفي اليوم التالي الثامن والعشرين من كانون الأول جمعونا كلنا في قاعة محاضرات واسعة ووزعونا على كراسيها الوثيرة. واعتلى مجموعة من الضباط المدنيين المنصة. وتقدم أحدهم منا فألقى فينا كلمة مقتضبة استهلها بالثناء على الرئيس القائد الذي يعرف الناس كل الناس أن الكرم من سماته .. وأنه ينظر إلى الشعب بعين الرأفة والعطف على الدوام .. ولذلك أصدر أمرًا بالإفراج عنا بمناسبة إعادة انتخابه! وقال لنا المتحدث أن بعضنا ربما لم يكن يستحق كل هذا الإعتقال الطويل .. وأن بعضنا الآخر نال الآن جزاءه. ودعانا أن ننسى كلنا الماضي ونبدأ صفحة جديدة من اليوم. فيذهب الطالب إلى مدرسته. والعامل إلى مصنعه. والموظف إلى وظيفته. ويعود الكل إلى حياتهم الطبيعية وينسوا الماضي. وختم المتحدث كلمته منوهًا أن الفرع سيوصل كلًا منا إلى محافظته ومدينته.

وانفض الاجتماع .. وجعل رجال المخابرات يقتادون كل مجموعة من المعتقلين إلى زاوية حسب محافظاتهم. ولما كنت الأردني الوحيد فقد اقتادوني مع أربعة عناصر منهم إلى سيارة اتجهت بنا إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت