فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 711

وانقضى يوم الأربعاء ونحن في هذا المهجع الذي يسمى مهجع 6 على 2 الجديد نتجاذب أطراف الحديث ونتعرف على بعضنا البعض. وجاء الخميس وانقضى كما جاء ونحن نقطع الوقت بتبادل أخبار المهاجع وروايات العذاب والأسى. وكذلك حدث في اليوم التالي ونحن نقترب من الشك ونكاد ننتكس من التفاؤل إلى التشاؤم من جديد. حتى إذا كان صباح السبت وجدناهم ينادوننا للخروج من المهجع والإنتظام في صف في الخارج أمامه. فخرجنا كذلك مغمضي العيون منكسي الرؤوس يلتصق واحدنا بأخيه خشية أن يتعثر. لكن الإيعاز جاءنا كذلك بأن نفتح عيوننا ونتطلع بشكل طبيعي. فلما فعلت وفتحت عيني هالني أن أنظر إلى هذا المكان الرعيب الذي ضمتني جدرانه وحملتني أرضه وأكلت عصي زبانيته وسياطهم من جسدي ما شاء الله أكثر من عشر سنوات فكأنني أراه الآن لأول مرة!

كان كل جدار أقابله كطود جاثم على صدري عشر سنوات من غير أن أراه. وكل باب غليظ مشبك بالحديد كشوكة في حلقي أبصرها الآن لأول مرة. وهذه الوجوه الكالحة وتلك القسمات الطاغية وهذه المهاجع المقفلة كالتوابيت كم مرة لطمتني أو عركتني أو حملتني وأنا رهين المحبسين ترهقني ذلة الأسر ورهبة الظلام وقد أطبقت أجفاني على نوافذ الضياء بالإكراه فلا أرى خارج المهجع إلا الظلام وحسب!

بوابة المغادرين!

وسار ركبنا نحن الذين صدر العفو عنا كخط النمل يتجه نحو الباحة الخامسة وأنا أتوقع أن نمضي الآن إلى الذاتية لنتسلم أماناتنا ونسجل أسماءنا ونخرج من الباب الذي دخلنا منه. لكني وجدت الركب ينعرج بنا باتجاه المطابخ نحو باب خلفي للسجن اعتادت سيارات الجيش أن تدخل الطعام والمشانق منه وتخرج عائدة بالقدور الفارغة وجثث الموتى والمعدومين بنفس الوتيرة ونفس البرود! وعلى مقربة من الباب وجدنا باص تويوتا أحمر اللون بانتظارنا فصعدنا إليه لا ننبس ببنت شفة. ورافقنا في باصنا الذي توزعنا على مقاعده واجمين ثلاثة عناصر من المخابرات العسكرية لم يكن يبدو عليهم الإكتراث بأمرنا. وكنت عندما أتملى فيهم أحس أنهم ربما لم يدروا أين أمضينا آخر عشر سنوات من أعمارنا أو حتى أنهم كانوا عندما دخلنا زنزانات الفرع الذي أتوا منه قبل اثنتي عشرة سنة خلت مجرد طلاب في المرحلة الإعدادية أو الثانوية على أبعد تقدير!

دمعة شكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت