خير يا شباب شو في؟
سألتهم متوجسًا ومستغربًا .. فقالوا ببشاشة وبشر:
ان شاء الله خير. هناك إخلاء سبيل.
ماذا؟
قلتها وأنا لا أكاد أصدق أو أستوعب ما قالوا. فكرروا علي وأكدوا لي. ولم يلبث أن أطل علينا من فوق الشراقة أحد الشرطة وقال لنا من غير أن نعرف السبب الشيء نفسه. ولم تمض نصف ساعة أخرى حتى فتح الباب من جديد فهرعنا من فورنا حسب العادة واتجهنا برؤوسنا إلى الجدار. وتقدم واحد ممن سبقوني فقدم الصف. وأحسسنا بدخول أشخاص عديدين وراءنا، فتوجست خيفة وأنا أتوقع كل شر ولا أستغربه. وأتانا الإيعاز مرة واحدة:
وراء در.
فاستدرنا وعيوننا لا تزال مغمضة حسب التعليمات. لكن الإيعاز أتانا مرة أخرى يقول:
ارفع راسك ولا وفتح عينيك.
مفاجآت!
فتحت عيني يكاد يشلهما الخوف فراعني أن أنظر فأرى لأول مرة طوال تلك السنوات سحنة جلادينا بوجوه آدمية من لحم ودم. ولم يكن مألوفًا لي ولا لأحد ممن معي أبدًا أن نبصر شخصًا في هذا المكان معافى في بدنه متأنقًا في ملبسه، نبت الشعر في رأسه وشاربيه بشكل طبيعي وطال من غير أن تجرده آلة الحلاقة أو تشوهه الصفعات واللطمات!
وأمعنا النظر ونحن كالطفل الذي يطلع على العالم من حوله لأول مرة فرأينا مساعد السجن محمد نعمة ورئيس السجن نفسه غازي الجهني يقفان في مواجهتنا ومن ورائهما وعن أيمانهما وشمائلهما الزبانية يترصدوننا بنظراتهم الماكرة. وبعبارات مقتضبة أخبرنا العقيد الجهني أن سيادة رئيس الدولة أصدر عفوًا عنكم .. وإن هي إلا أيام وتكونوا بين أهليكم. وأمرنا من ثم أن نخلع ملابسنا جميعًا ونبقى بالشورت فقط. والتفت إلى كومة من الملابس والأحذية العسكرية الجديدة فأمر الشرطة أن يوزعوها علينا ثم مضى ومعه المساعد والشرطة وأغلقوا علينا الباب.
عقدت المفاجأة ألسنتنا جميعًا وأصابتنا بالربكة إلى حين. حتى إذا هدأت النفوس واستقرت اتجهنا إلى بعضنا البعض نتساءل ونتداول ونحاول أن نجد تفسيرًا لما يجري فلم نفلح. وأخذت أتملى في رفاق هذا المهجع الجديد فوجدتهم قرابة الخمسة والثلاثين شخصًا عركتهم المحنة وناءت بكلكلها عليهم مثلما فعلت بي، فلم تترك فيهم إلا سحنًا مصفرة وعيونًا ذابلة وأجسادًا واهنة ..