فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 711

بشارات!

وفي ليلة من ليالي شهر كانون الأول من عام 1991 وجدتني أستغرق في النوم فأرى في المنام الشرطة العسكرية يدخلون علينا في المهجع بملابسهم الكاكية وطاقياتهم الحمراء وسحناتهم البغيضة ويخبروننا بقرار انتقالنا من هذا المكان. ورأيتني أمضي إلى زاوية من زوايا المهجع اعتدنا أن نكدس فيها حقائبنا البالية فأحمل من بين الأكداس حقيبتي وتأتي مجموعة من الشباب فيفعلون ما فعلت. ورأيت علي دوبا رئيس فرع المخابرات العسكرية يمضي معنا أو نمضي معه فننطلق إلى باص كان بانتظارنا ونركب فيه جميعنا ونمضي. وبعد أن غادر الباص سجن تدمر وقطعناه بمسافة بعيدة انتهى المنام. فلما استيقظت وقصصت الرؤيا على الشباب حولي تفاءلوا وقالوا لي إن شاء الله يفرجها الله عليك.

ولم يمض يومان فقط حتى وجدت الشرطة ينادون اسمي بعد صلاة العصر وكان يوم أربعاء. فلما خرجت إليهم سألوني عن اسمي الكامل واسم أبي وأمي فأجبتهم. فلم يزيدوا أن قالوا لي من غير أي تعليق:

ضب أغراضك وجهز حالك لبرة.

وكنا جميعًا متعودين أن يأتينا مثل هذا الإيعاز في أي لحظة. سواء للإنتقال من مهجع إلى آخر أو للخروج إلى الإعدام! ووجدت الإخوة يلتفون حولي ويودعونني ولا يدري أحد منا إلى أين المصير. وخرجت وقد وضعت الطماشة على عيني وعقدت يدي خلف ظهري كالعادة ومضيت أتبعهم. فأدركت أنهم يقودونني باتجاه الساحة السادسة التي تنفذ فيها أحكام الإعدام. فجعلت أتقلب بين هواجس اقتراب النهاية وأحاسيس غامضة تبشرني من أعماقي بدنو الفرج. وجعلت أتساءل بيني وبين نفسي عن سبب اقتيادي إلى الباحة السادسة إذا كان هناك إفراج. ولماذا لم يأخذونني إلى الذاتية في الباحة الأولى لأخرج من حيث دخلت قبل عشرة أعوام أو أكثر!

ولم تطل بي التساؤلات التي قطعها توقف الركب وصوت باب يفتح ونداء واحد من الشرطة يقول لي:

أدخل ولا.

وأغلق الباب ورائي .. وأحسست أن الشرطة تركوني وذهبوا .. وأن ثمة من يشاركني هذا المكان الجديد ويهمهم حولي. وبحذر شديد أرسلت يدي من وراء ظهري إلى وسطي. فلما تأكدت أن أحدًا لم ينتهرني أو يصرخ في رفعتهما إلى وجهي وفككت الطماشة عن عيني. فوجدتني محاطًا بعدد من السجناء يتطلعون في وأتطلع فيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت