أنقل هذه المرة إلى مهجع رقم 7 في الباحة الرابعة. وهناك أمضيت قرابة سنة أخرى خفت فيها المعاناة نوعًا ما، وبدأنا نلحظ خلالها تحسنًا نسبيًا في الطعام، كانت مادته الأساسية زيادة كمية الثوم!
ومن باحة مهجعنا السابع تلك كان على لجنة الإعدامات التي لم تتوقف أعمالها أبدًا أن تمر من أمامنا مضيًا في طريقها إلى الباحة السادسة لتنفذ الأحكام. وكنا نسمع أصواتهم ونتمكن أحيانًا من التلصص عليهم من شقوق الباب. وفي نفس الوقت كنا نحس وصول الدفعات الجديدة من المعتقلين التي لم تتوقف أيضًا ونسمع أصوات استغاثاتهم وصياحهم من ساحة الذاتية المجاورة والباحة الأولى القريبة منا. وفي شهر تشرين الثاني عام 1991 كانت آخر دفعة جديدة من السجناء تصل تدمر على عهدي لتستقبلهم حفلة الإستقبال الرعيبة ذاتها .. وتبلغنا أصوات استغاثاتهم وصيحات الألم تزلزل المكان ولا تحرك في قلوب الزبانية شعرة! وحتى لا تنتقل الأخبار ويطلع السجناء القدامى على مستجدات الأحداث في الخارج كان يتم عزل السجناء الجدد في مهاجع مستقلة فلا نلتقيهم ولا يلتقونا، ولكن أصوات استغاثاتهم كانت أكثر من كافية لنعلم بوصولهم إلى هذا المكان الرعيب.
نعم للقائد!!
وذات يوم من نهايات تشرين الثاني أو بدايات كانون الأول عام 1991. وبينما نحن في المهجع نجرع الأسى ونغص بالحسرات أقبل علينا مساعد السجن محمد نعمة وأبلغنا أن انتخابات لرئيس الدولة أوشكت أن تجري خلال أيام .. وأن علينا أن نظهر محبتنا وتقديرنا للقائد الأسد فنقول له"نعم"بالفم الملآن والصوت العالي.
ولم يكن من خيار أمام أحد في كل سورية إلا أن يقول تلك الـ"نعم". تمامًا كتلك التي قلناها لسليمان الخطيب حين أبلغنا بأحكام الإعدام أمام محكمته الهزلية. أو كتلك التي قالها الطبيب المسكين بعد حفل العذاب ليطلق زوجته. أو كالنعم التي كنا نقولها للشرطي إذا قال لنا أنه يريد أن يفعل كذا وكذا بأمهاتنا وأخواتنا. أو كآلاف وآلاف مثلها يقولها كل مواطن مقهور لا يملك لرد ظلم زبانية النظام وسفاهاتهم عونآً ولا سندًا.
وكتب رئيس المهجع قائمة بأسمائنا كلنا. ووقعنا وقلنا"نعم". وكان الأنكى أن قام بعض من هدته المحنة وأنهكته المعاناة فاقترح أن نكتب العبارة"نعم للقائد"على واحد من قمصاننا البيضاء لا بالحبر أو بالدهان وإنما بدمنا! وهرع البعض فاستجابوا وأحضروا من مسؤول المهجع الصحي إبرة وجعلوا يسحبون من أوردتهم ما يكفي من الدم ليكتبوا به على القميص!