فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 711

شاهد على مجزرة تدمر

قلت أن بعضًا من المهاجع كانت حينما وصلنا تدمر قبل أكثر من عشر سنوات لا تزال تحتفظ على جدرانها وأسقفها بآثار من مجزرة تدمر الكبرى في حزيران عام 1980. ولقد حدث فعلًا وأن سمعت كباقي الناس عن المجزرة وأنا لا أزال في دمشق قبل اعتقالي ببضعة أشهر. ولقد تمكن وقتها أحد الإخوة من بيت وطفة من دمشق من أن يحصل على قائمة بأسماء الضحايا من ملفات وزارة الدفاع حيث كان يخدم جنديته الإلزامية، وأوصلها للإخوة في قيادة دمشق الناشئة وقتذاك. وتم كشف الأخ من بعد وإعدامه في سجن تدمر نفسه. وكان العدد الرسمي كما أذكر في حدود الثمانمائة قتيل. لكنني طوال السنوات التي أمضيتها في سجن تدمر لم أجد بنفسي شاهدًا على المجزرة، حتى جمعتني الأقدار في تلك الفترة بسجين يميني من حماة توطدت علاقتي معه. فقص علي أنه كان معتقلًا منذ عام 1980 مع مجموعة من البعثيين العراقيين. وأن إدارة السجن فرزتهم منذ ذاك ووضعته في أحد مهاجع الباحة الرابعة بشكل منفصل عن سجناء الإخوان أو الإتجاه الإسلامي.

وذات ليلة صدرت الأوامر إليهم كلهم لينقلوا إلى مهجع 29 في الباحة السابعة بشكل مفاجىء. وصبيحة اليوم التالي بلغت أسماعهم أصوات طائرات مروحية تحلق فوق المهاجع وتنزل في مكان قريب. ولم تمض برهة حتى بدأوا يسمعون أصوات الرصاص وانفجارات القنابل وصيحات التكبير في الباحات المجاورة. ثم لم تلبث الأصوات أن هدأت. وعادت المروحيات فغادرت المكان. ولم يتمكن أي من السجناء الآخرين وقتها من معرفة ما حدث. حتى تسربت أخبار المجزرة إليهم مع سجناء جدد حضروا بعدها وسمعوا بها من خارج الأسوار قبل اعتقالهم. وظل هذا الشخص على قيد الحياة حتى قدر لي أن ألقاه وأسمع شهادته. ورغم أنني لا أدري ما الذي حل بهذا الأخ، إلا أنني أتمنى أن أراه يومًا على منصة الشهادة يروي قصته أمام محكمة عادلة. تعيد فتح ملفات الفظائع التي شهدتها جدران مهاجع تدمر وبقية أوكار المخابرات وسجونها وأقبيتها، وتطبق في كل الجناة حكم الحق. عل أرواح الأبرياء التي أزهقت من غير ذنب تقر .. وترتفع عن هذا الوطن غباشة الطائفية المقيتة والظلم والجبروت.

آخر الوافدين!

مضت الأمور في السجن بعمومها نحو الهدوء النسبي. فالتعذيب الجماعي خفت حدته، والضرب الوحشي قلت نسبته. ثم لم نلبث أن وجدنا الإدارة تقوم بفرز جديد للسجناء في شهر نيسان 1991 تم بموجبها تقسيمنا وتوزيعنا على مهاجع جديدة وباحات مختلفة. ووجدتني في هذا السياق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت