وقال ابن حجر في الفتح تحت باب من ترك قتال الخوارج للتألف 12315 وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه ومن غير أن يختار دينًا على دين الإسلام، وأن الخوارج شر الفرق المبتدعة .. ا- هـ.
وقال ابن تيمية في الصارم، ص 177 وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفَرَ بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرًا؛ إذ لا يقصد الكفر أحدٌ إلا ما شاء الله ا- هـ.
ـ تنبيه يُشرع تحري القصد عند وقوع المرء في الكفر المتشابه المحتمل .. الذي يحتمل الكفر من وجه .. ومن وجه آخر يحتمل غير ذلك .. ففي مثل هذه الحالات لا يجوز اقتحام غمار التكفير والتسرع إليه إلا بعد التثبت ومعرفة أي الوجهين يقصد ويريد.
ونحن خلافنا مع القوم ليس حول من يقع في الكفر المتشابه المحتمل .. وإنما على من يقع في الكفر البواح الصريح كما هو مبين من كلامهم .. فتنبه لهذا!
كذلك يُشرع تحري القصد عند وقوع المرء في الخطأ الغير المقصود أو المتعمد كوقوع المرء في الخطأ عن سبق لسان ـ أو قل زلة لسان ـ وهو لا يريد ذلك؛ كالذي قال من شدة الفرح عندما وجد راحلته بعد أن فقدها اللهم أنت عبدي وأنا ربك .. أخطأ من شدة الفرح كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم.
وكذلك لو قال ـ بغير لغته أو بلغته ـ كلامًا فيه كفر لكنه لا يعرف أنه من الكفر .. لا يكفر حتى يعرف، لا لكونه لم يقصد الكفر؛ وإنما لأنه لا يعرف أن هذا القول الذي قاله من الكفر .. فهو معذور بانتفاء قصد إتيان الكفر، وليس لكونه لم يقصد الكفر بفعله ـ أو أن يكون كافرًا ـ مع علمه المسبق بأن الذي يقوله أو يفعله من الكفر .. والفرق بينهما واضح فتنبه!
فهذا النوع من الخطأ الغير متعمد .. هو الذي ينبغي التحري عن قصد صاحبه .. أو مراعاة قصده .. وهو المعني من كلام أهل العلم عند حديثهم عن اشتراط القصد أو التحري عنه .. وقرائن الحال في الغالب تعين على معرفة ذلك.
والأدلة على ذلك ـ إضافة لما تقدم ذكره من حديث صاحب الراحلة ـ كثيرة، منها قوله تعالى {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم} .
وفي الحديث فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه.
خلاصة القول أن أهل السنة يراعون شرط القصد عند وقوع الكفر المتشابه المحتمل، وعند الوقوع في الخطأ الغير متعمد .. على النحو المتقدم!
وأهل الأهواء والإرجاء يشترطون معرفة القصد ـ الباطن ـ في الكفر البواح .. سواء صدر هذا الكفر عن خطأ غير متعمد أو متعمد ومراد .. وعلى أي وجه أو صورة كانت .. كما أنهم يشترطون قصد الكفر فيما قد وقع فيه المرء من خطأ مكفِّر .. فتنبه لذلك!!
قالوا من الكفر العملي والقولي ما هو مخرج من الملة بذاته، ولا يُشترط فيه استحلال قلبي؛ وهو ما كان مضادًا للإيمان من كل وجه؛ مثل سب الله تعالى، وشتم الرسول، والسجود للصنم، وإلقاء المصحف في القاذورات .. وما في معناها. وتنزيل هذا الحكم على الأعيان ـ كغيره من المكفرات ـ لا يقع إلا بشرطه المعتبر ا- هـ.
قلت نرد على قولهم هذا في نقطتين
1 -قولهم من الكفر العملي والقولي ما هو مخرج من الملة بذاته، ولا يُشترط فيه استحلال قلبي .. مفهومه أن من الكفر العملي والقولي لا يكون كفرًا بذاته إلا بعد النظر إلى شرط الاستحلال القلبي .. وهذا مذهب باطل خبيث يلتقي مع مذهب جهم الضال الذي يشترط للتكفير استحلال القلب وتكذيبه .. !
فإن قالوا نحن نقصد ونريد من الكفر العملي أو القولي الذي نشترط له الاستحلال .. الكفر العملي الأصغر .. ؟!
نقول لهم كلامكم لا يفيد بذلك ولا يدل عليه .. وخروجًا من هذا الإشكال والتلبيس على العباد كان الصواب أن يقولوا كل كفر عملي أو قولي أكبر هو كفر يخرج صاحبه من الملة من دون النظر إلى شرط الاستحلال القلبي، بخلاف الكفر العملي الأصغر فإنه لا يكفِّر ولا يكون كفرًا بذاته إلا إذا ضم إليه شرط الاستحلال .. !
2 -قولهم وتنزيل هذا الحكم على الأعيان كغيره من المكفرات لا يقع إلا بشرطه المعتبر .. وشرطه المعتبر ـ كما تقدم من كلامهم ـ أن تقيم عليهم الحجة بتحقق الشروط علمًا، وقصدًا، واختيارًا .. !!