الصفحة 7 من 24

فإن قالوا لا يكفر .. فقد كذبوا الله ورسوله؛ لأن الله تعالى يقول {ولئن سألتهم ليقولنَّ إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} التوبة65 - 66.

فهؤلاء اعتذروا بأنهم لم يكونوا قاصدين للكفر ـ ولا معتقدين له ـ لما قالوا ما قالوا .. وإنما كان فعلهم على وجه الخوض واللعب، ليتجوزوا بذلك عناء الطريق والسفر .. والقرآن صدقهم على ذلك، ولم يكذبهم .. ومع ذلك قال لهم {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} .

قال ابن تيمية قد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جادًا أو هازلًا فقد كفر .. فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقادٍ له، بل كنا نخوض ونلعب ..

وقال ولم يقل قد كذبتم في قولكم إنما كنا نخوض ونلعب فلم يكذبهم في هذا العذر كما كذبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر لو كانوا صادقين، بل بين لهم أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب.

وإذا تبين أن مذهب سلف الأمة ومن اتبعهم من الخلف أن هذه المقالة في نفسها كفر استحلها أو لم يستحلها، فالدليل على ذلك جميع ما قدمناه في المسالة الأولى من الدليل على كفر الساب، وما ذكرناه من الأحاديث والآثار فإنما هي أدلة بينة في أن نفس أذى الله ورسوله كفر، مع قطع النظر عن اعتقاد التحريم وجودًا وعدمًا ا- هـ.

وقال ابن العربي لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدًَّا أو هزلًا، وهو كيفما كان كفر؛ فإن الهزل بالكفر كفر، لا خلاف فيه بين الأمة ا- هـ.

فإن قالوا لا .. هو كافر وإن لم يكن قاصدًا للكفر ـ وهو الحق ـ .. نقول لهم بطلت ـ بإقراركم هذا ـ أصولكم الفاسدة التي تشترطون فيها القصد للتكفير .. !

ومنها أننا نقول لهم كذلك هذا الذي يُعرَض عليه العلم .. ثم هو يُعرِض عنه .. ثم هو بسبب إعراضه عن العلم وعن تعلم العلم .. يقع في الكفر البواح .. يكفر عندكم أم لا .. ؟!

فإن قالوا لا يكفر حتى يعلم أن الذي فعله من الكفر البواح .. ؟!

نقول لهم العلم معروض عليه .. وهو ميسر له بأقل جهد يبذله .. لكنه هو الذي يعرض عن العلم، وعن تعلم العلم .. هو الذي يحرص أن لا يسمع كلام الله وكلام رسوله .. فكيف السبيل إلى تعليمه بمغبة ما هو عليه من الكفر .. ؟!

فإن قالوا بعد كل ذلك لا بد من أن يكون عالمًا بالكفر .. حتى يُكفّر؟!!

نقول لهم قد كذبتم نصوص الكتاب والسنة العديدة التي تفيد كفر الإعراض .. وكفر الجهل .. ووصف المشركين بالكفر والشرك مع أنهم لا يعلمون .. ولا يفقهون .. ولا يعقلون .. وما أكثر الآيات الدالة على ذلك!

فإن قالوا لا .. هو كافر .. وإن كان لا يعلم .. لأن العلم مبذول له لكنه هو الذي لا يريد أن يعلم أو يتعلم .. نقول لهم قد أبطلتم بذلك أصولكم الفاسدة ـ التي تسمونها زورًا وعدوانًا بالسلفية! ـ التي تشترطون فيها لتكفير المعين العلم أو أن يكون عالمًا بالكفر الذي يقوم به بأنه كفر، قاصدًا له .. ينتفي التكفير بانتفائه!

قال تعالى {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا. الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعًا. أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} .

فهؤلاء قد أثبت الله تعالى لهم الكفر مع ظنهم أنهم ممن يحسنون صنعًا .. ومع انتفاء أن يكون قصدهم الكفر .. فهم لا يقرون أنهم على خطأ فضلًا عن أن يقروا لك أنهم يقصدون الكفر .. ومع ذلك قال تعالى عنهم {أولئك الذين كفروا فحبطت أعمالهم} .

قال ابن جرير في التفسير والصواب من القول في ذلك عندنا، أن يقال إن الله -عز وجل- عنى بقوله {هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا} كل عامل عملًا يحسبه فيه مصيبًا، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مُرضٍ، وهو بفعله ذلك لله مسخط، وعن طريق أهل الإيمان به جائر كالرهبانية والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالهم وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة، من أهل أي دين كانوا.

وقوله {وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعًا} يقول وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك لله مطيعون، وفيما ندب من عباده إليه مجتهدون، وهذا من أدل الدلائل على خطأ قول من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته .. ا- هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت