قالوا الإيمان اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان ا- هـ.
قلت ولو قالوا وعمل بالجوارح بدلًا من قولهم وعمل بالأركان لكان أدق وأصوب؛ لأن العمل بالأركان لا تدخل فيه جميع الطاعات التي تدخل في مسمى الإيمان .. بخلاف العمل بالجوارح العامة والشاملة لجميع الطاعات التي تدخل في مسمى الإيمان .. وهذا هو الأقرب والمطابق لتعريفات السلف للإيمان.
قالوا ليس من مقالات أهل السنة أن الإيمان هو تصديق القلب أو تصديقه والنطق باللسان ـ فقط ـ دون عمل الجوارح، ومن قال ذلك فهو ضال .. ا- هـ.
قلت مفهوم كلامهم أن من قال أن الإيمان تصديق بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح .. فهو قد قال بمقال من مقالات أهل السنة!
وعلى مفهوم كلامهم هذا نسجل الملاحظتين التاليتين
1 -القول بأن الإيمان هو تصديق القلب .. و .. و .. لا يصح؛ لأن تصديق القلب عمل واحد من أعمال القلب، والإيمان يشمل جميع أعمال القلب كالخوف، والخشية، والمحبة، والانقياد، والتصديق .. وغير ذلك. لذا فإن الصواب أن يقال اعتقاد القلب أو اعتقاد الجنان ولا يجوز أن نقول كلامًا يُفهم منه خلاف ذلك.
2 -هذا القول مخالف لقولهم الأول بأن الإيمان اعتقاد بالجنان .. .. ؟!
قالوا الإيمان .. ينقص بالمعصية حتى يزول؛ فلا يبقى منه شيء ا- هـ.
قلت يُفهم من كلامهم أن الإيمان يزول بالمعصية أو بالمداومة على المعصية حتى لا يبقى منه شيء .. وهذا تعبير خاطئ؛ لأن المعاصي ـ التي هي دون الكفر ـ مهما تراكمت على صاحبها لا تزيل عنه مطلق الإيمان .. !
ولو قالوا ينقص الإيمان بالمعصية ولا يزول مطلقًا إلا بالكفر .. لكان التعبير أدق وأصوب.
قالوا الحق في مسألة (الإيمان) و (العمل) ، وصلة بعضهما ببعض من حيث التلازم نقصًا أو زيادة، ثبوتًا أو انتفاءً، هو ما تضمنه كلام شيخ الإسلام وهو قوله رحمه الله فأصل الإيمان في القلب وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد، وما كان في القلب فلا بد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه، ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه، وهي تصديق لما في القلب ودليل عليه وشاهد له، وهي شعبة من مجموع الإيمان المطلق وبعض له؛ لكن ما في القلب هو الأصل لما على الجوارح ا- هـ.
قلت هذا القول منهم يدل على قدرة عالية لدى القوم على التدليس، والغش، وعلى تقويل أهل العلم ما لم يقولوا .. وإليك بيان ذلك
1 -قولهم أن الحق في مسألة (الأيمان) و (العمل) وصلة بعضهما ببعض .. الخ! ووضعهم لكلمة الإيمان بين قوسين، وكلمة العمل كذلك بين قوسين ليميزوا للقارئ الإيمان عن العمل .. يفيد ويدل على أن الإيمان عند القوم شيء .. والعمل شيء آخر .. وأن العمل لا يدخل في الإيمان .. ولو كان يدخل لما ميزوه وأخرجوه عن مسمى الإيمان كعنصر آخر لينظروا العلاقة بينه وبين الإيمان!
2 -الكلام المنقول عن ابن تيمية يفيد بيان العلاقة بين الظاهر والباطن وأثر كل منهما على الآخر .. ولم يتكلم على علاقة الإيمان بالعمل كما يقول هؤلاء!!
فقولهم هو ما تضمنه كلام شيخ الإسلام .. يفيد للقارئ أن شيخ الإسلام يتكلم عن علاقة الإيمان بالعمل .. وليس عن علاقة الباطن بالظاهر، والعكس .. !!
3 -فإذا علمت أن شيخ الإسلام يتكلم في هذه الفقرة المنقولة عنه عن علاقة الباطن بالجوارح الظاهرة .. واستدلال القوم بكلامه .. علمت أن مرادهم وقصدهم من الإيمان هو الباطن .. والعمل هو ما ظهر على الجوارح .. !!
وهذا تدليس دقيق خفي قد لا يقف عليه كثير من القراء .. أرادوا فيه أن يقولوا للقارئ بطريقة مبطنة خفية ـ يسهل التملص منها عند إدانتهم بالإرجاء ـ أن الإيمان الذي ينجي صاحبه مقره الباطن .. فمن أتى بالاعتقاد الباطن فهو مؤمن .. وما سوى ذلك فهي أعمال تمارس على الجوارح لا تدخل في الإيمان .. ولا يمكن أن تنفي الإيمان من الباطن .. وهذا كله كما قال شيخ الإسلام .. !!
4 -هذه الفقرة قالها شيخ الإسلام في الفتاوى 7644، ننصح القارئ أن يقرأ ما قبلها وما بعدها ليتضح له ما ذكرنا .. وما يريده شيخ الإسلام من كلامه الآنف الذكر!