قالوا من ثبت إسلامه بيقين؛ لم يزل عنه ذلك إلا بيقين ا- هـ.
قلت ولو قالوا من كان إسلامه صريحًا لا يخرج منه إلا بكفر بواح صريح .. أو الإسلام الصريح لا ينقضه إلا الكفر البواح الصريح لكان أصوب وأدق من قولهم (بيقين) .. وذلك لسببين
أولهما أن علم اليقين في كثير من الأحيان متعذر، وغير مقدور .. ففي مثل هذه الحالات يُحكم بغلبة الظن، والراجح، وليس باليقين .. الذي لا يقبل إلا احتمالًا واحدًا .. والذي يفيد العلم التام بالشيء الذي لا يقبل أدنى شكٍّ!
كأن تبشر المشركين وهم في قبورهم ـ عملًا بالسنة ـ بالنار .. فيقال لك وما أدراك أنه لا يوجد مسلم دفن خطأ فيها .. أو كان مستتر الإيمان فلم يعرف إيمانه فدفن فيها .. فكيف تبشر الجميع بالنار .. ؟!
الجواب هو اعتماد غلبة الظن، والعمل بالراجح ـ وليس بالظن ـ وبالقرائن المعينة على ذلك .. ولو ألزمنا أنفسنا بعلم اليقين لما استطعنا أن نبشر أحدًا بالنار .. لأن علم اليقين لا سبيل لك إليه في مثل هذه المواضع، وكثير من المواضع .. !
كما أن اشتراط العمل بعلم اليقين ـ في مثل هذه المواضع ـ يحيل بينك وبين جهاد كثير من الكفار، ويجعلك تعيش هواجس التردد والوقوع في الاحتمالات، والافتراضات .. ربما هذا الجندي المشرك أسلم قبل عشرة دقائق .. ولربما كان مكرهًا على الخروج والقتال .. ولربما قال لا إله إلا الله وأنت لم تسمعه .. وربما كان مسلمًا وأنت لا تعرف، وربما .. وربما .. فهذه الاحتمالات والهواجس والتساؤلات ـ التي ما أنزل الله بها من سلطان ـ كلها تلزمك إن أردت أن تعمل بعين اليقين .. !!
ثانيًا عندما تحكم على شخص بعينه أنه مسلم بيقين .. فأنت حكمت عليه بالإسلام الظاهر والباطن .. والذي ينجيه يوم القيامة .. ويدخله الجنة؛ لأن كل من أسلم بيقين دخل الجنة بيقين .. وهذا من التزكية على الله بغير علم .. لا سلطان لأحد أن يقول به من غير بينة أو دليل .. وهو يلزمك أن تحكم على المنافق الذي يظهر لك الإسلام بأنه مسلم بيقين وأنه من أهل النجاة والجنان .. !
كذلك هذا الذي يلقي على المسلمين السلام .. فهو يُعامل معاملة المسلمين على اعتبار غلبة الظن والراجح .. وليس على اعتبار أن إسلامه ثبت بيقين .. !
وكذلك الذي يظهر الشهادتين في أجواء القتال، وتحت سطوة السيوف .. فأنت تحكم عليه بالإسلام وتكف عن قتاله وقتله على اعتبار غلبة الظن، والراجح .. وليس على اعتبار إسلامه بيقين .. !
فعلم اليقين يُلزم بشق البطون ومعرفة ما في القلوب .. وأخشى أن يكون هذا هو مراد القوم ولا يُستبعد .. لتأصيلاتهم ونشراتهم الأخرى التي تفيد هذا المعنى .. والله تعالى أعلم.
ـ تنبيه من أطلق من أهل العلم قولهم من ثبت له عقد الإسلام بيقين .. لا يزول بالشك ونحو ذلك .. فإنهم يريدون من ثبت إسلامه بفعل أو قول ظاهر لا يزول إلا بكفر ظاهر؛ سواء كان هذا الكفر الظاهر مبعثه الاعتقاد، أو القول، أو العمل.
فهذا المعنى صحيح ولا حرج فيه ـ إن شاء الله ـ كما قدمنا .. والذي حملنا على هذا التفصيل وإبداء هذا التحفظ على مقولة القوم هي أصولهم الباطلة التي مبعثها الإرجاء والتجهم .. التي تلزم بشق البطون ومعرفة ما فيها!
قالوا ليس كل قول أو فعل ـ وصفته النصوص بالكفر ـ يكون كفرًا مخرجًا عن الملة؛ إذ الكفر كفران أصغر وأكبر، فالحكم على هذه الأقوال أو الأفعال إنما يكون على نسق طريقة علماء أهل السنة وأحكامهم ا- هـ.
قلت في هذا القول إشكال أبينه في النقاط التالية
1 -لو أضافوا كلمة (اعتقاد) إلى كلامهم لكان أكمل وأدق؛ بحيث يصبح كالتالي ليس كل قول أو فعل أو اعتقاد ٍ .. الخ!
فإن قيل هل في الاعتقاد كفر أكبر وأصغر كما في القول والفعل .. ؟
أقول نعم .. ومثاله الرياء ـ وهو من عمل القلب ـ فهو شرك .. ولكن ليس بالشرك الذي يخرج صاحبه من الملة، وقد سماه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشرك الأصغر.
2 -قولهم بأن الحكم على هذه الأقوال والأفعال إنما يكون على نسق طريقة علماء أهل السنة وأحكامهم .. غير دقيق ولا صحيح .. !
والصواب أن يُقال أن مرد الحكم على هذه الأفعال والأقوال بأنها كفر أصغر لنصوص الكتاب والسنة التي تصرف الكفر الأكبر عن هذه الأقوال والأفعال .. ولا دخل لبشر في هذه المواضع؛ لأن الأحكام الشرعية هي وقف للشارع وحده.