فإذا أطلق الشارع على شيء بأنه كفر لا يجوز صرف هذا الكفر عن ظاهره ودلالته الشرعية إلى الكفر الأصغر إلا بدليل شرعي آخر، أو قرينة شرعية أخرى تلزم بصرف هذا الكفر عن ظاهره إلى الكفر الأصغر، أو الكفر دون كفر .. وإلا فلا.
بهذا الضابط يُعرف الكفر الأكبر من الكفر الأصغر .. وليس بشيء آخر من كلام البشر .. أيًا كان هذا البشر!
3 -هذا الحرص منهم على نسق العلماء في هذا الموضع .. مخالف لما قرروه في أول كلامهم بأن التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله تعالى ورسوله .. ؟!
قالوا لا يجوز إيقاع حكم التكفير على أي مسلم؛ إلا من دل الكتاب والسنة على كفره دلالة واضحة، صريحة بينة، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن ا- هـ.
قلت هذا كلام حق لا خلاف عليه .. لكن أليس هو تكرار لقولهم من ثبت إسلامه بيقين، لم يزل عنه ذلك إلا بيقين .. أم أنهم يريدون هنا معنًا آخر غير معنى اليقين الذي يفيد شق البطون والغوص في القلوب .. كما أشرنا إلى ذلك من قبل .. ؟!!
ألم أقل لكم أن مصطلحات القوم مخيفة مريبة، وأننا معذورون عندما نبدي تحفظنا منها .. ومن قائليها!
قالوا قد يرد في الكتاب والسنة ما يُفهم منه أن هذا القول، أو العمل، أو الاعتقاد كفر،
ولا يُكفَّر به أحد عينًا إلا إذا أقيمت عليه الحجة بتحقق الشروط ـ علمًا، وقصدًا، واختيارًا ـ وانتفاء الموانع؛ وهي عكس هذه، وأضادها ا- هـ.
قلت نسجل مآخذنا على كلامهم هذا .. في النقاط التالية
1 -قيام الحجة تكون شرطًا للتكفير عند وقوع المخالف في المخالفة الشرعية ـ التي تقتضي التكفير ـ عن عجز لا يمكن له دفعه .. فتأتي الحجة لتدفع عنه العجز في إدراك ما قد خالف فيه .. وهذا أمر كان ينبغي الإشارة إليه عند الحديث عن قيام الحجة؛ وبخاصة أن مسألة قيام الحجة أصبحت ذريعة للإمساك عن تكفير طواغيت مجرمين .. كفروا من جهات نواقض الإسلام جميعها!! كلما أُريد تكفير طاغوت من طواغيت الأرض أعلم من إبليس .. يعترضون عليك بقولهم هل أقمت عليه الحجة أولًا .. ؟!!
2 -توصيفهم لقيام الحجة ـ التي لا يجوز تكفير المعين إلا بها ـ بأنها هي التي تحقق شروط التكفير .. والتي هي بأن يكون كفر هذا المعين صادرًا عن علم، وقصد، واختيار .. أي عالمًا قاصدًا مختارًا للكفر .. وتتحقق من ثبوت ذلك عنده .. فإذا انتفى شرط من هذه الشروط ـ العلم، أو القصد، أو الاختيار ـ وجد المانع الذي يمنع من تكفير هذا المعين .. !!
أقول هذا التوصيف لقيام الحجة هو باطل .. ثم باطل .. ثم باطل .. ما أنزل الله به من سلطان .. ليس عليه دليل من الكتاب والسنة .. وما قال به عالم معتبر .. وهو من بنات رؤوسهم وأهوائهم وشبهاتهم لا غير .. وهو دليل على أنهم لا يعرفون معنى الحجة الشرعية التي يشترطون قيامها .. أو أنهم يعرفون لكنهم يتجاهلون!!
وبيان ذلك من أوجه
منها يوجد فرق بين قيام الحجة ـ وقد ذكرنا متى يشترط قيامها ـ وبين اشتراط التثبت قبل التكفير بأن هذا المعين قد وقع في الكفر عالمًا به، قاصدًا له، ومختارا .. ؟!!
ومنها يريدون بشرط الاختيار هو ما يضاد الإكراه .. والذي يقع في الكفر مكرهًا لا يُقال لا يكفر حتى تقيم عليه الحجة .. فالمكره ليس جاهلًا ولا متأولًا .. حتى تشترط قيام الحجة عليه .. !!
فقيام الحجة ـ واشتراطها ـ تُذكر عند مورد الجهل ـ أو التأويل الخاطئ المستساغ والمعتبر شرعًا ـ الذي لا يمكن دفعه .. فأين المكره وموقعه من كل هذا .. حتى يُقال يجب أن تقيم عليه الحجة أولًا؟!!
ومنها أن القصد والمقاصد مقرها القلوب والنوايا .. فاشتراطهم أن يكون قاصدًا للكفر في قلبه .. وأن تتحرى قصده قبل تكفيره .. هذا مذهب جهم الضال الذي يشترط الغوص في القلوب، وشق البطون وفحصها، ومعرفة ما استقر فيها .. قبل إصدار التكفير .. !
ولما كان معرفة ما في القلوب .. وشق البطون متعثر في غالب الأحوال ـ إن لم يكن في كل الأحوال ـ لزمك ـ على شرطهم الفاسد هذا ـ أن لا تكفر أحدًا مهما كان كفره بواحًا؛ لأنك لا تعرف هل فعل ما فعل من الكفر البواح عن قصد أم لا .. وهل هو قاصد لذلك من قلبه أم لا .. ؟!!
ومنها أننا نقول لهم من استهزأ بدين الله تعالى على وجه اللعب والتسلية والتندر .. غير قاصد للكفر، ولا معتقد له .. يكفر عندكم أم لا .. ؟!