فكلامهم السابق يفسر كلامهم المشكل الغامض هنا .. وهذا القول مردود شرعًا وعقلًا .. إذ يستحيل على المسلم الذي يدخل الإسلام بشهادتي التوحيد .. ثم هو لا يعرف أنه يجب أن يعظم الخالق .. وأنه لا يجوز له أن يسب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- .. والعياذ بالله!!
آتوني بمسلم واحد في الأرض يدخل الإسلام بشهادتي التوحيد .. ثم هو لا يعرف أنه لا يجوز له أن يسب الله وأنبياءه ورسله .. ؟!
بل إن كثيرًا من عوام المسلمين الذين لا يقرؤون ولا يكتبون ـ مثل مشايخ الإرجاء ـ عندما يسمعون رجلًا يشتم .. يقولون له لا تكفر .. فلان يكفر .. أو يُكفِّر .. !
وعليه فاشتراط قيام الحجة على شاتم الله ورسوله .. واشتراط أن لا يكفَّر إلا بشرطه المعتبر الآنف الذكر .. هو من قبيل تعطيل أحكام الله تعالى من أن تأخذ طريقها إلى رؤوس أئمة الكفر والنفاق والزندقة .. وهو كذلك للمشاكلة والتشويش على دين العباد وعقائدهم .. !!
قالوا ونقول كما يقول أهل السنة إن العمل الكفري كفر يُكفِّر صاحبه؛ لكونه يدل على كفر الباطن، ولا نقول كما يقول أهل البدع العمل الكفري ليس كفرًا لكنه دليل على الكفر، والفرق واضح ا- هـ.
قلت أنظر كيف يظهرون إرجاءهم بل وجهميتهم بين ثنايا عباراتهم وكلامهم .. ومفرقًا هنا .. وهناك .. حتى ما إن يقال لهم تقولون هنا كذا .. إلا ويقولون لك ولكن قلنا هناك كذا .. وإن قيل لهم تقولون هناك كذا .. إلا وقالوا ولكن نقول هنا كذا .. فلا يمكن ضبطهم على مذهب أو قول واحد .. !!
فهم يكفرون بالعمل لكونه دليلًا على كفر الباطن والقلب .. أي إذا جاء الكفر العملي الأكبر غير دال دلالة صريحة على كفر القلب فهو لا يكفِّر صاحبه .. ولا يكفرونه أصحابنا هؤلاء .. فأين قولهم الأول هناك ـ المتقدم الذكر ـ بأن من الكفر ما هو كفر بذاته لا يُشترط له استحلال القلب .. ؟!!
ثم هذا القول هو عين قول جهم الضال وإليك كلام أهل العلم في ذلك
قال ابن تيمية ومن هنا يظهر خطأ قول جهم بن صفوان ومن اتبعه .. حيث ظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنًا كامل الإيمان بقلبه، وهو مع هذا يسب الله ورسوله، ويعادي الله ورسوله، ويعادي أولياء الله ويوالي أعداء الله ويقتل الأنبياء، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الإكرام، ويهين المؤمنين غاية الإهانة ... فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس المر معذب في الآخرة قالوا فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه، فالكفر عندهم شيء واحد وهو الجهل، والإيمان شيء واحد وهو العلم، أو تكذيب القلب وتصديقه.
فهؤلاء غلطوا في أصلين .. الثاني ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار، فإنما ذلك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق وهذا أمر خالفوا به الحس والعقل والشرع .. ا- هـ.
وقال ابن حزم في المحلى وأما سب الله تعالى فما على ظهر الأرض مسلم يخالف في أنه كفر مجرد، إلا أن الجهمية والأشعرية، وهما طائفتان لا يُعتد بهما، يصرحون بأن سب الله تعالى وإعلان الكفر ليس كفرًا، قال بعضهم ولكنه دليل على أن يعتقد الكفر لا أنه كافر بيقين بسبه الله تعالى، وأصلهم في هذا أصل سوء خارج عن إجماع أهل الإسلام ا- هـ.
أما قولهم ولا نقول كما يقول أهل البدع العمل الكفري ليس كفرًا، لكنه دليل على الكفر .. !!
أقول هذا القول البدعي الذي تبرؤوا منه هو نفس قولهم .. ونتيجته نفس نتيجة قولهم، وبيان ذلك أن أصحابنا هؤلاء يقولون الفعل هو كفر .. لكونه دال على كفر الباطن، فهو كافر لكفر الباطن .. !
والقول البدعي الذي تبرؤوا منه يقول الفعل ليس كفرًا ولكنه دليل على كفر الباطن، فهو كافر لكفر باطنه .. وليس لكون الفعل كفرًا!
فاتفقوا في النتيجة وهي تعليق الكفر على الباطن .. واختلفوا في تسمية الفعل ابتداءً هل يُقال عنه كفر أم لا .. وهو خلاف صوري لا قيمة له؛ إذ العبرة بالنتائج وبالمناط الذي يُعلق عليه الكفر .. وهذا الذي اتفقوا به!!