الصفحة 43 من 66

فَيَذْهَبُ جُفَاءً [17 - الرعد] . وقد اختلف النحويون في وظيفة (أمّا) ، فقيل إنها شرطية أو للتفصيل، أو للخروج من شيء إلى شيء، أو للتوكيد. غير أن الوظيفة التي نرى التركيب يؤديها هي تحديد المحكوم عليه وتحديد الحكم، فما بعد (أمّا) هو ما ينسب إليه ما بعد (الفاء) ، ويتعلق به؛ لذلك يأتي بعد (أمّا) المخصوص بالعناية، وهو ما يدور معنى الجملة عليه، ونجد في اللغة المعاصرة التصريح بلفظ النسبة أو التعلق، فيقال:"أمّا بالنسبة لهذا الأمر فقد أنجز"، ويقال:"وأمّا في ما يتعلق بهذه القضية فقد أجلت"، وهو تزيّد لا حاجة له اجتلبه خوف الغموض وطلب الإيضاح. والوظائف التي ذكرها النحويون ليست في رأيي الوظيفة الأساسية ولكنها وظائف سياقية، فالتركيب في السياق قد يدل على التفصيل إذا جاء بعد أمر مجمل وتكرر بغرض التفصيل، قال تعالى:

{قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَاوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا 78 أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا 79 وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا 80 فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا 81 وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَاوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا 82} [الكهف] .

وقد تكون للاستئناف أي الخروج من شيء إلى شيء آخر، نحو: كان العرب في الجاهلية منهم الحضر والبدو. أما عملهم فكان الرعي والتجارة. وقد تكون للتوكيد، فأنت تقول: زيد منطلق فإن أنست من مستمعك شكًّا قلت: أما زيد فمنطلق. ويمكن أن تكون للاستثناء، تقول: خرج الطلاب أما زيد فمكث. كأنك تعني: خرج الطلاب إلا زيدًا [1] .

والسؤال الآن ما الذي يأتي بعد (أمّا) من أجزاء الجملة؟

يأتي بعد (أمّا) المبتدأ، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} [106 - هود] . ويأتي الخبر، نحو: أما في الدار فزيد، وجملة الشرط، قال تعالى: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) } [الواقعة] ، ويأتي اسمًا منصوبًا لفظًا أو محلًا بما بعد الفاء، قال تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) } [الضحى] . ويأتي اسمًا منصوبًا لمحذوف يفسره ما بعد الفاء -على مذهب النحويين [2] - ومنه قراءة {وَأَمَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ} [17 - فصلت] ، قرأ بالنصب الحسن [3] .والرفع عند الفراء أجود؛ لأن (أما) تطلب الأسماء وتمتنع من الأفعال [4] . ويأتي ظرفًا متعلقًا بما بعد الفاء، نحو: أما اليومَ فإني ذاهب، وأما في الدار فزيد جالس.

(1) انظر في تفصيل القول على أمّا: الشمسان، الجملة الشرطية عند النحاة العرب:230 - 241.

(2) أما في رأي بعض المحدثين وهو الصواب أنه مفعول مقدم وأما الضمير فقد خلفه.

(3) الفراء، معاني القرآن، 3: 14.

(4) م. ن.: ص. ن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت