وبيّن أن البذورة هي"البذور"بإلصاق التاء، وهي جمع بذر، ووجد في أمالي القالي: قطع الله بذراتهم، والبذارة من البذر كأنه أراد النسل، وعاد إلى اللسان (بذر) فوجد أن البذارة النسل فقال إن البذورة محولة من البذارة.
والمشكلة ليست في هذا عندي بل في (الذال) فأهل الحجاز ومعهم أهل نجد يقولون اللفظ بالزاي لا الذال ففي الحجاز يقولون (بزورة) وفي نجد (بزور، بزران، مبزرة) والأخيرة على بناء اسم المكان وهو للمبالغة، ولعله أطلق للمكان ثم أريد به الجمع نفسه مجازًا، ويشبه هذا قول أهل الكويت في المبالغة من جمع صبي: (مصبنة) ؛ ولكن النجار ومن سمع أهل الحجاز من المصريين وقع لهم الوهم أن هذا من قلب الذال زايًا فرووا ما سمعوه بالتفصيح، وهم معذورون في ذلك إذ بعض أهل حواضر الحجاز يقلبون الذال زايًا، ولو أن النجار سمع أهل نجد لأدرك أنهم لم يقلبوا لأن ذلك القلب ليس في لهجاتهم، فهم يقولون: (بذِر) على ما يبذر من الحبوب، ويقولون (بزِر) على الطفل الصغير، ومجازًا على من يفعل فعل الصغار. والنجار رحمه الله قد عاد إلى اللسان فراجع مادة (بذر) ، لما سبق إليه من وهم، ولو أنه رجع إلى مادة (بزر) لوجد ما نصه:"والبزور: الحبوب الصغار مثل بزور البقول وما أشبهها. وقيل: البزر الحب عامة. والمبزور: الرجل الكثير الولد؛ يقال: ما أكثر بزره أي ولده. والبزراء: المرأة الكثيرة الولد ... والبزر: الأولاد" [1] . ونستطيع القول إن (البزور) أطلق أولا على الأولاد الصغار ثم أفرد منه فأطلق (بزر) على الواحد، ثم تصرفوا في جمعه فقالوا: بزورة وبزران مثل (حملان) .
وذكرني هذا التفصيح بما وقع لي في القاهرة؛ إذ سألتْ عاملةٌ في مكتب الخطوط السعودية وقد رأت اسم ابني (أوس) : أُمّال أخته اسمها إيه؟ فرد زميل لها بكل ثقة متظرفًا: نِبْلة طبعًا. وقد توهم أن الهمزة مقلوبة عن القاف. ومثل هذا طرافة ما حدث في الرياض إذ طلبت من البائع السوداني في بقالة أن يعطيني (كُرّاسًا) ، وعلى الرغم من أني قلت له للرسم فإنه لم يتنبه، بل بعث عاملا ليجلب لي (كُرّاثًا) .
(1) ابن منظور، لسان العرب، (بزر) .