الصفحة 21 من 66

العشاء هو الوقت الممتد بين غروب الشمس إلى العتمة وهو احتكام الظلمة، ويقال للذي لا يرى في هذا الوقت ولا في الليل (أعشى) ، وبهذا اتصف ميمون بن قيس وغير شاعر بهذه الصفة، فالأعشى الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار، ويقال للأنثى (عشواء) . ويطلق هذا الوصف على"الناقة التي لا تبصر أمامها فهي تخبط بيديها كل شيء" [1] . وقد يوصف المتخبط في أمره بأن يقال:"وركب فلان العشواء، إذا خبط أمره على غير بصيرة. وفلان خابط خبط عشواء" [2] . كل ذلك وإن لم يكن منه ركوب. ووصف زهير أخذ الموت الناسَ من غير تخير بخبط العشواء قال في معلقته [3] :

رأيت المنايا خبط عشواءَ من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم

وتوسع المحدثون في الاستفادة من هذا المعنى فوصفوا الأمر المختل بأنه عشوائي نسبة إلى عشواء، ويقولون: عيّنة عشوائية، أي لم يقصد إلى تخيرها واصطفائها وإنما أعملت فيها يد الصدفة؛ ولكنهم حين نسبوا إلى عشواء خالفوا القياس فقالوا: (عشوائيّ) ؛ في حين أن عليهم أن يقولوا: (عشواويّ) ؛ لأن هذه الهمزة والألف قبلها زائدتان زيادتهما في أوصاف الإناث مثل (حمراء) والأسماء المؤنثة مثل (صحراء) ، وحق ما انتهى هذه النهاية أن يكون في موضع همزته واو عند التثنية وجمع السلامة لما يجمع منه جمع سلامة أو عند من يجمعه جمع سلامة مطلقًا، وكذا عند النسب إليه، يقال: حمراوان وحمراويّ، صحراوان، وصحراوات، وصحراويّ. أما عن (عشواء) فقال الجوهري:"والمرأة عشواء وامرأتان عشواوان" [4] .ولم أجد النسبة إلى عشواء في المعجمات وكتب اللغة التي اطلعت عليها؛ لأن الحاجة لم تعرض لذكرها، ولأن القاعدة صريحة فيها وهي ما ذكرته لك آنفًا.

أما طريقة المحدثين فيمكن أن نلتمس لها بعض العذر بما يأتي:

1)إن قلب الهمزة أو أبقاءها لا يخل بالمعنى.

2)إن إبقاء الهمزة هو طريقة لبعض العرب، قال ابن عقيل:"ومن العرب من يقر الهمزة، وهو قليل رديء" [5] .

3)لعل إبقاء الهمزة إنما هو تخلص من تماثل الواوين. والتماثل مما يتخلصون منه بوسائل مختلفة كالإبدال، مثل (حييان) التي آلت إلى (حيوان) . وروي عن أبي سعيد السيرافي أنّ"مما استثقل وقوع"

(1) الجوهري، الصحاح، (عشا) 6: 2427.

(2) م. ن، ص. ن.

(3) التبريزي، شرح المعلقات 239.

(4) الجوهري، الصحاح، (عشا) 6: 2427.

(5) ابن عقيل، المساعد، 3: 358.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت