الصفحة 97 من 334

ولا يزال العالم الغربى و كل من يحاكونه، سكارى بهذا النصر السهل الذى حققه العقل العلمى على الكنيسة المسيحية. وهم يقفزون متأثرين بنشوته، إلى تعميم مزيف ومزدوج، فحواه أنه بما أن كل المعرفة الدينية عقدية بالضرورة، فإن كل طرق الوصول إلى الحقيقة يجب أن تكون تجريبية، تستمد دليلها النهائى من الواقع الحسى، كما تكشف عنه التجربة المنضبطة. ويخلصون من ذلك، دون أية روية، إلى أن كل شئ لا يتم إثباته على هذا النحو يعتبر مشكوكا فيه. وما دام غير قابل للتأكد من صحته فهو زائف.

ويعنى مفهوم"العقدى"فى رأى أولئك التجريبيين: الإيمان برأى من المعروف أنه غير قابل للإثبات بالتجربة، والأسوأ بحقيقة غير معروفة وغير قابلة للمعرفة بها. والإيمان تأسيسا على هذا التعريف هو فعل، أو قرار يعقد بموجبه شخص ما العزم على قبول صحة ما يعد افتراء، أو يمثل حجر عثرة، في منظور العقل [1] .

ووصف بسكال"الإيمان بأنه بمثابة رهان المرء على شئ ما، تهرب منه حقيقته إلى الأبد. ووصف غير المتدينين من بين المسيحيين، الإيمان المسيحى، بأنه شبيه بإيمان إنسان أعمى بوجود قطة سوداء في حجرة مظلمة، لا توجد بها قطة على الإطلاق. وفى ذروة تلك النشوة بانتصارات العلم، في القرن التاسع عشر، نصح رجل الدين الألمانى شليرماشر إخوانه المسيحيين بالرد على المستخفين بالدين، بعدم تأسيس الحقيقة المسيحية على الواقع، أو على الواقع القابل للملاحظة والنقد، بل"

(1) نقرأ في العهد الجديد: لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ، اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ. 22لأَنَّ الْيَهُودَ يَسْأَلُونَ آيَةً، وَالْيُونَانِيِّينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةً، 23. رِسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ الأُولَى إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ، الإصحاح الأول: 22 - 023

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت