وفاضت روح النبى إلى بارئها، بعد إتمامه لمهمة الهداية وتأسيس القدوة في كل نواحى الحياة من أشدها ايغالا في الخصوصية، وصولا إلى الأبعاد العسكرية والسياسية والإقتصادية، التى وحد الجزيرة العربية من خلالها، وجهزها للتدخل المذهل في صناعة تاريخ العالم. ومن الأمور ذات الدلالة أن المنية وافت النبى في لحظة كان يوجد فيها جيش مجهز يقف على أهبة الاستعداد لحمل رسالة الإسلام إلى ما وراء الجزيرة العربية.
ومن فيض تزودهم بالهدى النبوى وبالقدوة بالنبى في حماسه لرسالته، اندفع المسلمون الأوائل على الفور، ودون أى تردد، إلى حلبة صنع التاريخ في كل المجالات، وغيروا الأعراف والتقاليد الداخلية وأنماط الحياة اليومية لأفراد من كل الأعراق والثقافات. وبدلوا ثقافات مجتمعات بأكملها. وغيروا خرائط وحدود وآفاق قرى ومدن وامبراطوريات. ولننصت هنا إلى مقولة عقبة بن نافع الشهيرة، وهو على شواطئ المحيط الأطلسى بالمغرب:"أيها المحيط، لو علمت أن وراءك أرضا لعبرتك على صهوة جوادى"كنموذج دال على روح هذا الجيل الجديد الذى تربى في أحضان الإسلام. فلقد آمن المسلم بأن رسالته عالمية، وتوفرت لديه إرادة تحقيق اليقين بأنه قد قام بها على الوجه الأكمل. وكانت تلك المهمة ذات طابع أخلاقى ودينى، لأن الدافع لدى المسلم لم يكن حيازة منصب سياسى، ولا تحقيق ميزة اقتصادية. فالمهمة التى نهض من أجلها هى إقامة: أرض محكومة بنظام عالمى جديد يسعى لإرسائه، لا تفلت فيها أى مظلمة من الجزاء العادل، وتتوفر حرية تداول الأفكار، ويتمتع بنو آدم بحرية الإقناع والإقتناع، ويتمكن الإسلام من دعوة البشرية إلى وحدانية الله تعالى، وإلى وحدة الحقيقة والقيمة.
ولو أن التاريخ نفسه لم يكن قد عرف الوجود من قبل، ولم يستصرخ المسلم من أجل إعادة تشكيله، لنهض المسلم من تلقاء نفسه بمهمة صناعته. فالمسلم، شأنه شأن حيى بن يقظان، قد تعين عليه بعد