الصفحة 94 من 334

يدعو أصحابه إلى الرغبة فيها لأنفسهم. على العكس من كل هذا، أمرته تلك الرسالة بوضوح بالغ، بأن يسعى إلى إعادة تشكيل عالم الزمان والمكان الواقعى على نحو يجعله محاكيا للنموذج الإلهى.

وربما كان هذا هو وجه التميز النهائى لخبرة النبى محمد، على خبرة مسيحية عيسى، عليهما السلام. ففى حين أعادت الخبرة المحمدية التأكيد على قيم عيسى الشخصانية، فإنها بنت عليها بوصفها الشرط المسبق، رؤيتها المؤكدة على أنه لا معنى لاستحضارمعية الله، وحبه، والذوبان في مشيئته، والحياة فيه، ما لم يؤدى ذلك إلى الإرتقاء بهذا العالم الدنيوى، وبهذا التاريخ، وبهذه المادة، بملئهم بالقيمة بجعلهم محاكين للإرادة الإلهية.

ولهذا السبب، فضلا عن الخبرة الدينية، أجاب النبى صلى الله عليه وسلم عمه حين ناشده التخلى عن التغيير الجذرى الذى حدث لتلك العوالم بسبب الإسلام، بقوله:"والذى نفس محمد بيده، لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يسارى على أن أترك هذا الأمر، أو يظهره الله، ما تركته أو أهلك دونه".

ولم يستسلم النبى لأعدائه بسلبية، ويضع نفسه في موضع الضحية، بل حرص على أن يفوقهم في الحيلة والدهاء والأخذ بالأسباب الممكنة، وهاجر إلى المدينة المنورة. وأسس في الأسبوع الأول من وصوله إليها الدولة الإسلامية الأولى. وقدم لها دستورها المعروف بصحيفة المدينة. ولم تتضمن رسالته أكثر من تلقى الوحى وتبليغه. إلا أن الرسالة كان لها مضمون، وكان النبى هو أول من طبق ما بها من أوامر و نواه وتكاليف. وأوجب عليه ذلك المحتوى أن يتدخل في عمليات الطبيعة، وفى حياة قومه والبشرية جمعاء، لإحداث التحول المرغوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت