ذلك، أن انشغال الأبوين بالعمل خارج المنزل، وما يعانيانه من إرهاق بدنى، وما يتعرضان له من ضغوط تدفعهما إلى تلمس الإشباع العاطفى خارج البيت، أضعف رابطة الأسرة حتى في فترة شدة حاجة الصغار إليها [1] .
وساهم علماء الأنثروبولوجيا بدورهم، في تردى الأسرة، بتعليم النشء أن أشكال الإرتباط الأخرى ممكنة، وأنها أحرزت نجاحا بين الحيوانات وبين البشر البدائيين. وقام هؤلاء بغسيل أدمغة للبشر بالرجوع المستمر إلى عالم الحيوان وإسقاط نتائج بحوثهم على الحالة الإنسانية، بحيث لم تعد تعى أن الفروق بين الحيوانات والإنسان ليست فروقا طبيعية. وروج طوفان نظريتهم المبنية على الظن أن الأشكال غير السوية للرابطة الإنسانية بين الرجل والمرأة، مثل النظام الأمومى، وتعدد الأزواج، كانت في وقت من الأوقات هى القاعدة، إلى زحزحة الأسرة من موقعها التقليدى الذى كان ينظر إليها فيه على أنها عنوان الشرف ولا غنى عنها.
وطرأ تحول جذرى على مؤسسة الأسرة في كل أرجاء العالمين الشيوعى والغربى. وتعانى الأسرة اليوم على نحو لا فكاك منه من الوهن العام الذى أصاب المجتمع. وتؤثر الأسرة وتتأثر بالوهن الذى أصاب كل من: الأخلاق، وتماسك المجتمع واستمرارية التقاليد بانتقالها من جيل إلى آخر والتأثير فيها. وبصرف النظر عن تحديد من يمثل العلة ومن يمثل المعلول في ثنائى الأسرة والحضارة، فإن من المقطوع به أن قدر الحضارة والأسرة هو أن تنهضا معا أو تسقطا معا.
وتنفرد مجتمعات العالم الإسلامى وبقية العالم الثالث، حتى الآن، باحتفاظ الأسرة فيها بمكانتها الكريمة، مع ارتباط ذلك بمدى محافظة تلك