ومن ثم فإن الإسلام وثيق الصلة، بكل معطيات الزمان والمكان، وهو يسعى لضبط كل ما يتعلق بالتاريخ وبكل المخلوقات بما فيها الجنس البشرى، ويعتبر كل ما هو من الطبيعة برئ وخير ومرغوب فيه بذاته، ولا يمكن تأسيس التقوى ولا الفضيلة على إدانته. ويريد الإسلام من البشر أن يسعوا في الأرض للحصول على طيباتها من مأكل ومشرب، ومأوى وراحة، وأن يحولوا العالم الدنيوى إلى جنة، وأن يتمتعوا بالمعاشرة الزوجية وبالصداقة وبطيبات الحياة، وأن يطوروا العلوم، وأن يتعلموا، وينتفعوا بالطبيعة، وأن يترابطوا ويؤسسوا بنية اجتماعية سياسية، ويقوموا بكل تلك الأمور، بالمختصر المفيد، على الوجه الذى يرضاه الله فحسب، دون كذب ولا غش، ودون سرقة واستغلال، ودون ظلم للنفس وللجار، وللطبيعة والتاريخ. والسبب الدقيق لتسمية الإسلام الإنسان خليفة هو أنه يحقق إرادة الله تعالى، بقيامه بكل هذه الأمورعلى الوجه الصحيح.
وكما سيتضح في ثنايا هذا الفصل، فإن الإسلام يعتبر المستهدفات سالفة الذكر، غايات فطرية لكل البشر، وتدخل ضمن حقوقهم الإنسانية التى يسعى إلى ضمانها. ويؤسس الإسلام نظريته الاجتماعية على تحقيق هذه الغاية. ويؤكد الإسلام على ضرورة النظام الاجتماعى، فيما لو أراد الإنسان تحقيق هذا الهدف بأى درجة كانت. وإلى جانب التسليم بكون الاجتماع الإنسانى فطرى، فإن الإسلام يضيف إلى تلك السجية إدراجه ضمن الضروريات. فالنظام الاجتماعى، أو بتعبير أدق: الأمة أو دار السلام، هى الغاية العليا للإسلام في الحياة الدنيا بزمانها ومكانها. وعلاقية الأمة بالدين الإسلامى ليست حيوية فحسب، بل حاسمة. ومن الملاحظ أن جزءا يسيرا من الشريعة الإسلامية يتعلق بالشعائر والعبادات والأخلاقيات الشخصية المحضة،