والممثلة لإرادته التى فطر الموجودات الطبيعية عليها، فإن الكون يعتبر في نظر المسلم مسرحا حيا، كل حركة فيه وعليه إنما هى من صنع الله وبإرادته. والمسرح نفسه وما عليه قابل للتفسير بتلك السنن، ومن منطلقها.
فمعنى توحيد الله تعالى هو الإقرار بأنه وحده لا شريك له، هو السبب الأول لكل ما في الوجود. وقدرة الله ليست بمنأى عما يجرى في الكون، ولا تسبييه غير مباشر، على نحو يحيله إلى إله فرغ من الخلق، وترك الكون يعمل بذاته دون تدخل منه. وكان الذهول عن ذلك هو الخطأ الذى وقع فيه الفلاسفة الذين زعموا انتقال علاقة السببية من الخالق إلى الخليقة، ونظروا إلى الكون على أنه صار شبيها بالساعة، لا تحتاج بعد صنعها إلى تدخل صانعها، لتعمل وتؤدى دورها.
ولقد فند المتكلمون ونحن معهم، رؤية الفلاسفة تلك. فإلهنا إله حى فعال لما يريد، فعله وتصريفه كائن على الدوام في كل ما يحدث في الوجود. وإن كان كل شئ يحدث وفق علاقة سببية موافقة لطبيعته التى خلقه الله عليها، فربنا موجود في كل زمان ومكان، وبيده تصريف كل شئ. وهو وحده الفاعل النهائى لكل ما يحدث، والسبب النهائى لكل موجود.
ولنتأمل في هذا السياق قول الله تعالى:" {أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ،وفى قوله سبحانه:"اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ". ولنتدبر في قوله تعالى:"أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا