الله تعالى، وهو نتاج للسنن التى بثها في الكون، ولقدرته وتصريفه لأمره بلا معقب عليه، وتحقيق لغاية ما يريدها الله تعالى. ولا يعنى ذلك، أن الله تعالى هو مسبب كل شئ بشكل مباشر ومتعلق بذاته العليه، وإنما يعنى أن كل ما يفعله غيره، وكل الأسباب المخلوقة في الوجود، لا تفعل فعلها في نهاية المطاف إلا بتصريفه ووفق إرادته.
ولا يعنى ذلك، من جهة أخرى، أنه سبحانه مسؤول عن أفعالنا، بل نحن المسؤولون عنها. وعلينا أن نؤمن بأن ثقل أعمالنا أو خفتها، في الميزان الأخلاقى داخل في نطاق مسؤوليتنا الفردية وحدنا. إلا أن قوة الإيجاد التى بها يكون الشئ أو لا يكون، تظل ملكا لله تعالى ومحل تصريفه بلا شريك له. فالبشر ليسوا خالقين. وهم لا يملكون موتا ولا حياة، وإن كانوا بمثابة أسباب للإماتة أو الإحياء.
وبمجرد أن يحقق المرء مثل تلك الشهادة، فإن مثل هذا الإدراك يصير طبيعة ثانية للإنسان، ملازمة له في سعيه كله، بحيث يعيش حياته بكل أبعادها في ظلها. وحينما يقر الإنسان بفعل الله تعالى في كل شئ وفى كل حدث، فإنه يتلمس الهدى الإلهى، وينقب عن آيات الله وسننه في الكون. ومقتضى مراعاة ذلك في التعامل مع الطبيعة هو السعى للتمكن في العلم الطبيعى. يقول الله تعالى:"وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ، ويقول:" {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} [1] .
(1) الذاريات:20 - 21، يونس: 5 - 6.