الصفحة 112 من 334

ينظر المنظر الهندوسى لنشأة الكون، إلى الطبيعة على أنها حدث مشؤوم وقع لبراهمن المطلق [1] . فالخليقة (أى كل مخلوق فرد) هى تشيؤ له (للمطلق) . وعملية التشيؤ هذه في منظور علم نشأة الكون الهندوسى، حدث سلبى المضامين، لكونها تمثل انتقاصا من كمال المطلق. ومن هنا يعتبر الهندوسى كل شئ في الطبيعة خارجا عن الحالة السوية، بصفته سجين هيئته المخلوقة. و يتشوق للتحرر منها والعودة إلى أصله في برهمن كذات مطلقة. وهو خاضع في فترة بقائه مخلوقا في هذا العالم، لقانون الكارما الذى من خلاله يترقى، أو يقع في المزيد من التردى، حسب مدى اعترافه بمبدأ النشأة الكونية الأول المذكور، والتزامه به، باعتبار وجوده مجرد حدث مؤسف للمطلق.

أما علم نشأة الكون المسيحى فيرى أن الطبيعة من خلق الله تعالى، وأنها كانت كاملة في أول أمرها، ولكنها فسدت بالخطية، وصارت شريرة. جاء في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية:"مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ"

(1) الخليقة، أو كما يحلو للمفكرين الهندوس أن يسمونها"عالم تجلى برهمن المطلق"، ليس حقيقيا في التحليل الأخير، وهو بالتالى يمثل تدنيا للمطلق، وابتعادا له عن الكمال المتعالى، ويشكل من ثم انحرافا غير ميمون. وتؤكد العديد من الأدبيات الهندوسية ذلك. وتبلورت تلك الفكرة بمزيد من التفصيل في الفكر الهندوسى الوسيط على يد سانكرا، ورامنوجا بتصوير هذا العالم على أنه يمثل جسد الإله. ولهذا الجسد وجود مستقل فيما يتعلق بالروح. وفى العصر الحديث جرى التعبير عن هذه الفكرة ولكن بدرجة أعلى من الحذر على لسان العديد من المفكرين. انظر في تفصيلات هذه الفكرة في الفكر الهندوسى القديم: Svetasvatara ,iv .PP.9 - 10. وانظر نموذجا للفكر الهنوسى الوسيط: Adhyasabhasya , & Brhdanyaka ,3 7.3 . وانظر: S. Radhahrishnan, Indian Philosophy ,London ,Allen and Unwin, 1951Vol.1,PP.38 - 39,197 & M.Hiriyanna,Outlines of Indian Philosophy,London ,Allen and Unwin, PP.63 - 65 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت