يولد كل مولود، قبل أن يؤدى التثاقف به إلى اتباع دين أو آخر. وفى ذلك المقام نقرأ قول النبى صلى الله عليه وسلم:"بعثت بالحنيفية السمحاء أو على ملة إبراهيم" [1] .
ويتطلب التسامح من المسلم دراسة تاريخ الأديان، ابتغاء تحقيق مستهدفين، أولهما: اكتشاف ما بها من حنيفية الفطرة الأصلية، التى أرسل الله تعالى رسله في كل زمان ومكان لبيانها للناس. يقول الله تعالى:"فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" [2] . والثانية: التأكيد على الدين الحنيف وجذب الناس إليه بأصح الحجج وأنسبها. يقول الله تعالى:"ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" [3] .
وفى منظور الدين، يأتى مبدأ التسامح في موقع الصدارة، بلا منازع، من حيث أهميته وأولويته في العلاقات الإنسانية، ليقوم بتحويل المواجهة والإدانة المتبادلة بين الأديان، إلى بحث علمى رصين في نشأتها وتطورها، بهدف تمييز المكون الأصلى المنزل من عند الله فيها، عما لحق بها من إضافات تاريخية.
وعلى صعيد البعد الأخلاقى للتسامح، الذى هو مجاله الثانى البالغ الأهمية، يحصن اليسر المسلم ضد كافة التوجهات النافية للحياة، ويكفل له القدر الأدنى من التفاؤل المطلوب للاحتفاظ بحاسة الاتساق والصحة والتوازن، مهما
(1) الحديث رواه ابن عباس. انظر: الزبيدى، تاج العروس، مادة: حنف، المجلد السادس، ص 78.وانظر: الإمام مسلم، صحيح مسلم، مختصر صحيح مسلم، لمحمد ناصر الدين الألبانى، الكويت: الدار الكويتية للطباعة،1388هـ / 1969، المجلد 2،ص249، الحديث رقم:1982.
(2) الروم:30.
(3) النحل:125.