4 -التسامح: التوحيد اعتراف بأنه لا إله إلا الله. ومعنى ذلك، كما تبين لنا من قبل، أن الله تعالى هو المصدر الأسمى للخير كله، وللقيمة كلها. ومن مقتضى الإقرار بذلك، الإيمان بأن الله تعالى هو الخير الأسمى الذى يستمد منه كل شئ خير خيريته. فهو سبحانه الذى يعطى الخير خيريته، والقيمة قيمتها. ومن غير الممكن أن يكتنف الشك خيرية مصدر الخير الأسمى. وعلى الإنسان أن يعى على الدوام أن كل ما يقدره الله تعالى، إنما يقدره لغاية خيرة، ناصيتها بيده وإليه منتهاها. والقول بعكس ذلك نفى للتوحيد.
وهذا هو السبب في تحريم القرآن الكريم القاطع على المسلمين أن يسيئوا الظن بالله تعالى. فلنقرأ من سورة الفتح:" {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [1] . وأدان القرآن من يفعل ذلك رجما بالغيب. فالله تعالى لم يخلق البشرية ليعذبها، ولا ليضلها. وهو سبحانه لم ينعم علينا بملكات المعرفة، وبالغرائز والشهوات، لنضل عن سواء السبيل."
فما نعرفه بحواسنا صحيح، ما لم تكن حواسنا غير سوية أو معيبة بجلاء. وما يبدو متماسكنا في الحس العام يعتبر صحيحا، ما لم يقم الدليل على العكس. وبالمثل، فإن ما نريده بغرائزنا وشهواتنا هو خير بالأساس، ما لم يحرمه الله علينا صراحة. ويرشدنا التوحيد إلى التفاؤل على الصعيدين المعرفى والأخلاقى. وهذا هو ما نسميه أيضا: التسامح.
ويراد بالتفاؤل، كمبدأ معرفى، قبول الحاضر إلى أن يقوم الدليل على زيفه. أما المراد به كمبدأ أخلاقى، فهو: قبول المرغوب إلى أن يقوم
(1) الفتح:6.