فقد نشأت في ظل الإسلام وحدة إسلامية ظلت تغذيها عبر آماد طويلة قيم الحق والعدل وأصول التسامح والإحسان. وورثت العالم رؤية نافذة في حفظ قيمة الإنسان والمحافظة على قيم الحياة الفاضلة، على أسس من الدين الإسلامي القويم [1] . وكل ذلك كان انطلاقة من الفكر والاعتقاد الراشد الذي شكل أساسًا متينًا للوحدة الإسلامية، تلتقي عنده فطرة الإنسان السليمة التي تحقق إعمار هذا الكون"فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" [2] .
وبهذه الفطرة السوية تتوحد مشاعر الناس واتجاهاتهم فتتجه كلها إلى الله، شعورًا وعملًا، ونشاطًا وعبادة، وحركة وعادة. وبذلك تصطبغ الحياة كلها بصبغة العقيدة التي تمثل أقوى رابطة في الوحدة الإسلامية [3] .
تلكم هي العقيدة رابطة الوحدة الإسلامية وصمام أمان هذه الأمة ومبعث فلاحها، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" [4] .
من المسلم به لدينا، معشر المسلمين، أن الوظيفة الكبرى أو الكلية للإنسان في الحياة هي عبادة الله وحده، قال تعالى:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" [5] ، وفق ما شرع من قواعد إيمانية. لذا كان الأمر بالعبادة مرتكزًا على الإيمان الراسخ في قلوب المؤمنين. قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون* وجاهدوا بالله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير" [6] . وفي هذا النص رتب الله
(1) أبو زهرة، محمد، الوحدة الإسلامية، دار الرائد العربين (بلا. ت) ، ص 87.
(2) الروم: 30.
(3) قطب، سيد، في ظلال القرآن، ط، الشرعية العاشرة، بيروت، القاهرة، دار الشروق، 1402 هـ- 1982 م، م 4، ص 2423.
(4) أخرجه أحمد في السمند عن أبي ربيعة عياد الديلي، ج 3، ص 492.
(5) الذاريات: 56.
(6) الحج: 77 - 78.