الصفحة 13 من 33

رقيبًا [1] . إن هذه الآية تذكر الناس بوحدة مصدرهم وتردهم إلى الله خالقهم الذي أنشأهم في هذه الأرض. وتبين أن هذه البشرية التي صدرت من إرادة واحدة، تتصل في رحم واحدة وتنتسب إلى نسب واحد. وبذلك تتكامل وشائجها ابتداء من وشيجة الربوبية، وهي الأصل، ثم الرحم الذي تقوم عليه الأسرة الأولى، ومنها يبث الله رجالًا كثيرًا ونساءً يجمعهم المصير المشترك؛ إذ إن الدين واحد"إن الدين عند الله الإسلام" [2] ، وكذلك المنهج"ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها" [3] . ووفق ذلك المنهج تبرز العلاقة بين الخالق ومخلوقاته وتتبين تلك الصلة، فتتوحد إرادة الإنسان وتنعكس على حياة المجتمع والإنسانية بأسرها، على اختلاف ألوانها وألسنتها وبيئاتها، ترابطًا وانسجامًا وتوحدًا حول غايات واحدة ومصائر مشتركة ما دامت تلك البشرية تستمد توجيهها من مصدر واحد هو الله الواحد القهار الذي لم يخلقها عبثًا ولا خبط عشواء"أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وإنكم إلينا لا ترجعون ...." [4] ؛ وإنما قدر الشر والخير فتنة للبشر"ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون" [5] ، ليعودوا إليه في يوم الميعاد الذي تحشر فيه الإنسانية جميعًا؛ ليوفيها الله تعالى ما عملت"واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون" [6] .

هكذا فالإسلام قد وحد مصائر المسلمين جميعًا في أهداف ومقاصد واحدة، انطلاقًا من وحدتهم في الخلق، وفي الفطرة، والعلم، وفي الغاية من الخلق والاختبار، وفي الاختيار ثم الرجوع إلى الخالق جل وعلا للجزاء يوم الحساب. وبذلك فقد وضع الإسلام للوحدة الإسلامية كل ما يقتضيه التوحيد. وأقام الوحدة على مصائر مشتركة وروابط ثابتة دائمة لا يتطرق إليها الخلل ما دام المسلمون متمسكين بدينهم حريصين على طاعة ربهم، هدفهم واحد، تفكيرهم واحد، وسلوك موحد، وسياسة واحدة، في قبلة واحدة، وأمر لا يختلف على أصوله اثنان [7] .

المحور الثاني: مقومات الوحدة

(1) النساء: 1.

(2) آل عمران: 19.

(3) الجاثية: 18.

(4) المؤمنون: 115.

(5) الأنبياء: 35.

(6) البقرة: 281.

(7) عثمان، موسى حسن محمد، معالم في الثقافة الإسلامية، ص 8، 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت