رعيته. والرسول صلى الله عليه وسلم يبين لنا ذلك:"ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة" [1] .
ولقد وفرت الدولة الإسلامية منذ أول نشأتها من الحريات السياسية ما لم يحجر على الفرد التعبير عنه [2] . وها هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، يضرب المثل في تمكينه للرعية من حريتها بقوله:"إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني".وعمر الفاروق رضي الله عنه وقف يومًا يخطب الناس فقال:"يا أيها الناس من رأى منكم فيّ اعوجاجًا فليقومه"فقال رجل من الحاضرين:"والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا"فما كان من عمر الفاروق صلى الله عليه وسلم إلا أن حمد الله وأثنى عليه وقال: الحمد لله الذي جعل في الأمة من يقوّم اعوجاج عمر بسيفه إذا اعوجّ" [3] . تلكم هي قيمة الحرية في الأدب السياسي الذي أرساه الإسلام، وهذا من شأنه التمكين للوحدة وإقناع الكثيرين حتى من غير المسلمين للاهتداء إلى الإسلام."
لقد عني الإسلام في نظامه السياسي عناية خاصة بمبدأ الشورى، ذلك أن أي حكم صحيح يتعذر عليه تحقيق العدالة في غيابها. وقد جاءت نصوص القرآن صراحة تحض على مشاورة المسلمين فقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم:"وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله" [4] . والشورى صفة لازمة للمؤمنين المصدقين المستجيبين لله، قال تعالى:"والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون" [5] .
إن أمر الشورى لم يكن أمرًا نظريًا فقط، فقد طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته العلمية، كما طبقت من بعده أوسع تطبيق. وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم غنية باستشارته لأصحابه في معظم الأمور، ما لم ينزل
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري، 93 كتاب الأحكام 8 باب من استرعى رعية فلم ينصح، ج 13 ص 126 - 127، رقم 7150.
(2) قطب، سيد، في ظلال القرآن، ص 291.
(3) الصاوي، صلاح، المحاورة، مساجلة فكرية حول تطبيق الشريعة الإسلامية، ط 2، القاهرة - دار الإعلام الدولي، 1413 هـ-1993 م، ص 66.
(4) آل عمران: 159.
(5) الشورى: 38.