وهذا الرباط التشريعي يحكمه الحاكم بحسبانه رمز الوحدة ورمز التشريع الذي يقتضي حراسة الدين وسياسة الدنيا. وبذلك تظل الدعوة في كل زمان ومكان تنطلق من الثبات والرباط التشريعي لإظهار الوحدة الإسلامية.
إن الأمة الإسلامية أمة مستجيبة لرسالة ربها ولا تتوانى في إبلاغ الدعوة ونشر الخير بين سائر الناس، وكذلك جعلها الله شهيدة على الأمم"وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا" [1] . يقول القرطبي في تفسير هذه الآية:"وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطًا؛ أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم، والوسط العدل؛ وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها" [2]
لقد كرم الله سبحانه وتعالى الأمة الإسلامية بهذه الوسطية وجعلها شهيدة على الأمم في يوم المحشر كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يدعى نوح عليه الصلاة والسلام يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب فيقول هل بلغت؟ فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم؟ فيقولون ما أتانا من نذير فيقول من يشهد ذلك؟ فيقول محمد وأمته يشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدًا .." [3] ، فذلك قول الله عز وجل"وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا".
وعن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"أعطيت أمتي ثلاثًا لم تعط إلا الأنبياء، وكان الله إذا بعث نبيًا قال له ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة ادعوني أستجب لكم، وكان الله إذا بعث نبيًا قال له ما جعل عليك في الدين من حرج. وقال لهذه الأمة وما جعل عليكم في الدين من حرج، وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدًا على قومه، وجعل هذه الأمة شهداء على الناس" [4] .
(1) البقرة: 143.
(2) القرطبي، أبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، ط 3 الجزء الأول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1981 م، ص 153.
(3) رواه البخاري في صحيحه، 5، 151، في كتاب التفسير، تفسير قوله تعالى:"وكذلك جعلناكم أمة وسطا .."من حيث أبي سعيد.
(4) أخرجه الترمذي الحكيم أبو عبدالله في (نوادر الأصول) .