إن رحلة حياة الإنسان على ظهر هذه الأرض قد حددها الله سبحانه وتعالى، طفلًا ثم شابًا فكهلًا فشيخًا، ثم عودًا إلى الأرض، ثم بعثة إلى الحياة الآخرة للجزاء والخلود [1] . قال تعالى:"يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلًا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئًا " [2]
من هذه الآيات القرآنية يبدو الإنسان في"قمة الكائنات الحية التي تعيش على وجه البسيطة، وأفضلها وأكرمها، لما أودعه الله فيه من مزايا، ولما أعده من جيل الغايات التي لا تصل إلى مثلها سائر الكائنات الأخرى" [3] . قال تعالى:"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" [4] وقال:"ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا" [5] . ونتيجة لذلك فقد فطر الإنسان الفطرة الكريمة الصالحة التي يستطيع أن يستخدمها اختيارًا للخير أو الشر [6] . وكذلك خلق الله الإنسان مجبولًا على حب المعرفة بعنايته وهدايته وأودع فيه ما يستطيع به إدراك الحقائق الكبرى في الوجود. قال تعالى:"والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون" [7] ، وقال:"سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" [8] ، فالفطرة الإنسانية السليمة التي تتوجه إلى الله بروح متفتحة، تكشف ما فيه من قصد، وتؤمن بما يؤول إليه من مصير محتوم، قد تولى الله تبيانه عن طريق إرسال رسله عليهم الصلاة وأتم التسليم [9] .
إن الذي ينظر إلى الإسلام ونظامه يدرك أن الواحد المتعالي على كل مخلوق، قد وحد خلق الإنسانية ومصائرها"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم"
(1) عبد الظاهر، حسن عيسى، فصول في الدعوة والثقافة الإسلامية، ص 126.
(2) الحج: 5.
(3) عثمان، عبد الكريم، ص 15.
(4) التين: 4.
(5) الإسراء: 70.
(6) عثمان، عبد الكريم، ص 15.
(7) النحل: 78.
(8) فصلت: 53.
(9) قطب، سيد، الظلال، م 1، ص 574 - 575.