وتتجلى الوحدة الإسلامية في أعظم صورها في فريضة الحج حيث اتحاد الزمان والمكان والمناسك التي تبدأ بالإحرام وتستمر مع الوقوف بعرفات ثم المشعر الحرام والتضحية بمنى، ورمي الجمرات الثلاث وطواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة. كل ذلك والحجاج متجردون من كل محيط ومحيط وموحدون في لباس بسيط يوحد خاصتهم وعامتهم، فقراءهم وأغنياءهم، كبارهم وصغارهم، أحمرهم وأسودهم، حيث يلتقون على تقوى من الله ورضوان في صعيد واحد تسوى جماعتهم العبودية لله وتذوب من بينهم فوارق الجنس والمال والجاه وهم يشاهدون آثار أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام؛ في مؤتمر عالمي يتدافعون ويتزاحمون ويتنافسون فيه بإحسان [1] . وذلك إعلان شامل أكبر بأن المسلمين أينما كانوا تجمعهم العبادة لتجعل منهم أمة واحدة متعاونة متساندة لتحقق الوحدة الإسلامية [2] .
أما الزكاة فهي شعيرة تعبدية وعبادة اجتماعية تذكر الإنسان المسلم بحق الجماعة في ماله الذي يكسبه بكده، وتذكره بأن يعمل لغيره كما يعمل لنفسه. والزكاة امتحان فيما تهواه الأنفس من المال والمتاع، وفوق ذلك فهي عبادة روحية يتقرب بها العبد إلى الله تعالى [3] . ولعبادة الزكاة أثر كبير في تربية شعور العطف على الفقراء والمحتاجين.
"ومشاركتهم ودرء خطر الفاقة والجوع والحرمان عنهم وعن أسرهم، وفي هذا الشعور علاج لقلوب الأغنياء من القسوة والحرص والشره، وعلاج لقلوب الفقراء بتطهيرها من شعور الحقد والحسد والتطلع لما في أيدي الأغنياء [4] ."
وكان ذلك يعين على الوحدة. كما أن للزكاة أثرًا لا يستعان به في محاربة الفقر، وفوق ذلك فهي تجسيد لشكر الله على نعمة الغنى واليسار.
وبذلك فالعبادة في مجملها هي رسالة الإنسان في الحياة وتتميز أحكامها بالثبات والاستقرار، وهذا يعني أنها تلبي مطالب ثابتة في أعماق الإنسان وتعالج حاجة مستمرة لا تكاد تنقطع،
(1) المرجع السابق، ص 33، وعثمان، عبد الكريم، معالم الثقافة الإسلامية، ص 154.
(2) عبد العزيز، أمير، دراسات في الثقافة الإسلامية، ص 314.
(3) عثمان، عبد الكريم، معالم الثقافة الإسلامية، ص 153.
(4) عبد الظاهر، حسن عيسى، بحوث في الثقافة الإسلامية، ص 321.