الصفحة 30 من 42

المبحث السادس: أثر الفقر على الفرد والمجتمع

أولا: أثر الفقر على عقيدة الإنسان ودينه:

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعَرَض من الدنيا» [1] .

* التعليق:

قوله صلى الله عليه وسلم: «يبيع دينه بعَرَض من الدنيا» مشعر بسبب الكفر والخروج من الدين سريعا وهو عَرَض من الدنيا متمثل في المال غالبا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «كاد الفقر أن يكون كفرا» [2] .

قال المناوي: أي قارب أن يوقع فيه؛ لأنه يحمل على حسد الأغنياء والحسد يأكل الحسنات، وعلى التذلل لهم بما يدنس عرضه ويَثْلَم [3] به دينه، وعلى عدم الرضا بالقضاء وتسخط الرزق وذلك إن لم يكن كفرا فهو جارٌّ إليه، وقال الثوري: لأن أجمع عندي أربعين ألف دينار حتى أموت عنها أحب إلى من فقر يوم وذلي في سؤال الناس، قال: ووالله ما أدري ماذا يقع مني لو ابتليت ببلية من فقر أو مرض فلعلي أكفر ولا أشعر.

ولذلك قال: كاد الفقر أن يكون كفرا؛ لأنه يحمل المرء على ركوب كل صعب وذلول وربما يؤديه إلى الاعتراض على الله والتصرف في ملكه كما قال بعضهم:

كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه *** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا

هذا الذي ترك الأوهام حائرة *** وصَيَّر العالم النحرير زنديقا [4] .

ورُوي أن عليا -رضي الله عنه- قال لأحد أبنائه:"يا بني إني أخاف عليك الفقر، فإن الفقر مَنْفَقَة للدِّين، مَدْهَشَة للعقل، داعية للمقت" [5] .

وكل ذلك يبين لنا الحكمة من استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من الفقر بعد استعاذته من الكفر في قوله: «اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر» [6] .

وقيل: من حفظ دنياه حفظ الأكرمين دينه وعرضه [7] .

(1) أخرجه مسلم- كتاب الإيمان- باب الحث على الأعمال قبل تظاهر الفتن 1/ 110 ح رقم 118 بلفظه.

(2) يأتي تخريجه قريبا.

(3) الثَّلْم: الخلل والكسر. (مختار الصحاح ص 60) .

(4) فيض القدير شرح الجامع الصغير لعبد الرؤوف المناوي 4/ 542 بتصرف. ط: المكتبة التجارية الكبرى. مصر. الأولى سنة 1356 هـ. والأبيات لابن الراوندي.

(5) نهج البلاغة للشريف الرضي 4/ 76. ط: دار المعرفة. بيروت. د: ت.

(6) يأتي تخريجه قريبا.

(7) المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي -ت سنة 868 هـ- ص 310. ط: دار الكتب العلمية. بيروت. الأولى 1413 هـ- 1993 م. والأبشيهي نسبة لأبشيه الرمان من الفيوم. (الضوء اللامع للسخاوي 4/ 296. ط: دار المعرفة. بيروت. د: ت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت