تبين في المبحثين السابقين أن أدلة تفضيل الغنى على الفقر كانت أصح وأصرح من أدلة تفضيل الفقر على الغنى، وأن أدلة تفضيل الفقر على الغنى كانت إما ضعيفة وإما صحيحة ولكنها غير صريحة في الدلالة على تلك الدعوى.
والذي رجحه المحققون من العلماء أن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر، وإن كان في كل خير.
قال ابن قتيبة الدَّيْنَوَريّ: قالوا حديثان متناقضان. قالوا: رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعوذ بالله من الفقر وقال: «أسألك غناي وغنى مولاي» [1] . ثم رويتم أنه قال: «اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين» [2] . وقال: «الفقر بالمؤمن أحسن من العذار الحسن على خَدِّ الفرس» [3] . قالوا: وهذا تناقض واختلاف.
قال ابن قتيبة: ونحن نقول: إنه ليس هاهنا اختلاف بحمد الله تعالى، وقد غلطوا في تأويله وظلموا في المعارضة؛ لأنهم عارضوا الفقر بالمسكنة وهما مختلفان، ولو كان قال: اللهم أحيني فقيرا وأمتني فقيرا واحشرني في زمرة الفقراء كان ذلك تناقضا كما ذكروا. ومعنى المسكنة في قوله: «احشرني مسكينا» التواضع والإخبات كأنه سأل الله تعالى أن لا يجعله من الجبارين والمتكبرين ولا يحشره في زمرتهم.
والمسكنة حرف مأخوذ من السكون يقال: تمسكن الرجل إذا لان وتواضع وخشع وخضع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم للمصلي: «تَبَأَّس وتَمَسْكَن، وتُقْنِعَ رأسك» [4] .
يريد: تَخَشَّع وتواضع لله عز وجل. والعرب تقول: بالمسكين نزل الأمر لا يريدون معنى الفقر إنما يريدون معنى الذلة والضعف. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لقَيْلَة [5] : «يا مسكينة» [6] . لم يرد يا فقيرة وإنما أراد معنى الضعف.
ومن الدليل على ما أُوِّل أن رسول الله عليه وسلم لو كان سأل الله عز وجل المسكنة التي هي الفقر لكان الله تعالى قد منعه ما سأله لأنه قبضه غنيا موسرا بما أفاء الله عز وجل عليه، وإن كان لم يضع درهما على درهم ولا يقال لمن ترك مثل بساتينه بالمدينة وأمواله ومثل فَدَك [7] إنه مات فقيرا والله عز وجل يقول: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى ** وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ** وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى} [8] .
(1) تقدم تخريجه.
(2) تقدم تخريجه.
(3) تقدم تخريجه.
(4) أخرجه أبو داود- كتاب الصلاة- باب في صلاة النهار 2/ 29 ح رقم 1296 عن عبد المطلب بن ربيعة -رضي الله عنه-.
(5) قيلة بنت مخرمة التميمية. صحابية، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم، روى عنها صفية ودحيبة ابنتا عليبة. (الإصابة 8/ 83) .
(6) أخرجه الطبراني في الكبير 25/ 7 ح رقم 21116 عن قيلة بنت مخرمة.
(7) فَدَك: بفتح أوله وثانيه مكان قريب من المدينة وخيبر. (معجم ما استعجم 3/ 1015) .
(8) سورة الضحى آية 6: 8.