الصفحة 26 من 42

والعائل: الفقير كان له عيال أو لم يكن، والمُعِيل ذو العيال كان له مال أو لم يكن. فحال النبي صلى الله عليه وسلم عند مبعثه وحاله عند مماته يدلان على أن المسكنة التي كان يسألها ربه عز وجل ليست بالفقر.

وأما قوله: «إن الفقر بالمؤمن أحسن من العذار الحسن على خد الفرس» ، فإن الفقر مصيبة من مصائب الدنيا عظيمة، وآفة من آفاتها أليمة، فمن صبر على المصيبة لله تعالى ورضي بالقسمة زاده الله تعالى بذلك في الدنيا وأعظم له الثواب في الآخرة، وإنما مثل الفقر والغنى مثل السقم والعافية، فمن ابتلاه الله تعالى بالسقم فصبر كان كمن ابتلي بالفقر فصبر. وليس ما جعل الله في ذلك من الثواب بمانعنا من أن نسأل الله عز وجل العافية ونرغب إليه في السلامة.

وقد ذهب قوم يفضلون الفقر على الغنى إلى أنه كان يتعوذ بالله تعالى من فقر النفس واحتجوا بقول الناس: فلان فقير النفس وإن كان حسن الحال، وغني النفس وإن كان سيء الحال.

وهذا غلط ولا نعلم أن أحدا من الأنبياء ولا من صحابتهم ولا العباد ولا المجتهدين كان يقول: اللهم أفقرني ولا أزمني، ولا بذلك استعبدهم الله عز وجل؛ بل استعبدهم بأن يقولوا: اللهم ارزقني اللهم عافني، وكانوا يقولون: اللهم لا تبلنا إلا بالتي هي أحسن -يريدون لا تختبرنا إلا بالخير ولا تختبرنا بالشر- لأن الله تعالى يختبر عباده بها ليعلم كيف شكرهم وصبرهم، وقال: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [1] أي اختبارا.

وكان مُطَرِّف [2] يقول: لأن أعافي فأشكر أحب إلى من أن أبتلى فأصبر [3] .

وممن قال بتفضيل الغنى على الفقر: الإمام القرطبي، حيث قال في تفسيره: لما أمر الله تعالى بالكَتْب والإشهاد وأخذ الرهان كان ذلك نصا قاطعا على مراعاة حفظ الأموال وتنميتها، وردا على الجهلة المتصوفة ورعاعها الذين لا يرون ذلك فيخرجون عن جميع أموالهم ولا يتركون كفاية لأنفسهم وعيالهم، ثم إذا احتاج وافتقر عياله فهو إما أن يتعرض لمنن الإخوان أو لصدقاتهم أو أن يأخذ من أرباب الدنيا وظلمتهم، وهذا الفعل مذموم منهي عنه [4] . وقال أيضا: ومما يدل على حفظ الأموال ومراعاتها إباحة القتال دونها وعليها.

(1) سورة الأنبياء آية رقم 35.

(2) مطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير -بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المعجمة المكسورة بعدها تحتانية ساكنة ثم راء- العامري الحَرَشِي -بمهملتين مفتوحتين ثم معجمة- أبو عبد الله البصري. روى عن أبيه وعثمان، وروى عنه ثابت وأبو التياح. قال في التقريب: ثقة عابد فاضل من الثانية مات سنة خمس وتسعين. (التهذيب 5/ 456، التقريب ص 534) .

(3) تأويل مختلف الحديث في الرد على أعداء أهل الحديث لابن قتيبة الدينوري -ت سنة 276 هـ- ص 112: 114. ط: مكتبة المتنبي. القاهرة. د: ت.

(4) تفسير القرطبي سورة البقرة 2/ 1225. ط: دار الشعب. د: ت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت