بعد أن عرضت أدلة من فضل الغنى على الفقر من العلماء، فإنه لزاما عليّ أن أذكر أدلة من فضل الفقر على الغنى لأوازن بين الرأيين، وقد رأيت بعد مقارنة بين أدلة الفريقين أن أدلة من فضل الغنى على الفقر معظمها صحيحة وصريحة، وعلى العكس من ذلك فإن أدلة من فضل الفقر على الغني معظمها ضعيفة، وحتى الصحيح منها فإنه غير صريح في الدلالة على فضل الفقر على الغنى.
ولكنني رأيت أنه من باب الإنصاف والأمانة العلمية أن أذكر أدلة من فضل الفقر على الغنى وأذكر الرد على الأدلة الصحيحة منها، وأما الضعيفة فإن ضعف إسنادها كافٍ لعدم الأخذ بها لأنها تعارضت مع الصحيح الصريح.
وها هي أهم هذه الأدلة مع الرد على الصحيح منها:
1 -عن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أنه قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» فقال: رجل من أشراف الناس هذا والله حري إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع، قال: فسكت رسول الله عليه وسلم ثم مر رجل فقال له صلى الله عليه وسلم: «ما رأيك في هذا؟» فقال: يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله عليه وسلم: «هذا خير من مليء الأرض مثل هذا» [1] .
* الرد:
قال ابن حجر: لا حجة فيه لتفضيل الفقر على الغنى؛ لأنه إن كان فضل عليه لفقره فكان ينبغي أن يقول: خير من مليء الأرض مثله لا فقير فيهم، وإن كان لفضله فلا حجة فيه. ثم قال: لكن تبين من سياق طريق القصة أن جهة تفضيله إنما هي لفضله بالتقوى. ثم بين ابن حجر أن الحديث وإن ثبتت به فضيلة الفقر فإنه لا يلزم من ذلك ثبوت أفضليته على الغنى [2] .
2 -عن خباب -رضي الله عنه- قال: هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله تعالى فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد وترك نَمِرة فإذا غطينا رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا رجليه بدت رأسه، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه ونجعل رجليه من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهْدِبُها [3] .
* التعليق:
(1) أخرجه البخاري- كتاب الرقاق- باب فضل الفقر 5/ 2369 ح رقم 6082 بلفظه.
(2) فتح الباري 11/ 323.
(3) أخرجه البخاري- كتاب الرقاق- باب الفقر 5/ 2369 ح رقم 6083 بلفظه.
، أخرجه مسلم- كتاب الجنائز- باب في كفن الميت 2/ 649 ح رقم 940 بلفظ مختلف.