من أخبارها؛ حتى يحصل التَّأسِّي والمتابعة على الوجه الصَّحيح.
وإنَّ المناهجَ التَّربويَّةَ والدَّعوات الإصلاحيَّة ستكون قاصرةً وناقصةً- بل خاسرةً وباطلةً- إذا لم تقتبس من هدي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وتلتزم به اعتقادًا وسلوكًا ومنهج تفكير.
والسِّيرةُ النَّبويَّة معينٌ لا يَنْضَبُ وتراثٌ لا يَبْلَى لكلِّ مَن رجع إليها وتأدَّب بأدبها واقتبس من مشكاتها، وقد فقه الصَّحابةُ- رضي الله عنهم- هذه المعاني في السِّيرة، وأدركوا أهميَّتَها؛ فكانت مع القرآن الكريم هي منهج التَّربية للأجيال ومادَّة البناء الفكريّ والسُّلوكيّ، ومَحَطّ الاهتمام والعناية.
يقولُ عليُّ بن الحسين زين العابدين [1] : «كنَّا نعلِّم مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما نعلِّم السُّورةَ من القرآن» [2] . وكان إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقّاص يحفِّظ أبناءه مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعدّها عليهم، ويقول: «هذه مآثرُ آبائكم فلا تضيِّعوا ذكرَها» [3] .
وبهذا المنهج العالي كان جيلُ الصَّحابة- رضوان الله عليهم- ثمَّ التَّابعين أرقى أجيال الأمَّة وأقواها علمًا وعملًا وأثرًا في واقع الحياة وبناء الحضارة؛ فكانوا قادةً وسادةً معتزِّين بمنهجهم مؤثِّرين في
(1) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، كان مع والده الحسين يوم قتل بكربلاء، شابًا، مريضًا، ولذلك لم يقتل، له ترجمة حافلة في الطبقات الكبرى 5/ 211، وقال: كان ثقةً مأمونًا كثيرَ الحديث عاليًا رفيعًا ورعًا، مات بالمدينة سنة 94هـ ودفن بالبقيع.
(2) ابن كثير: البداية والنهاية 3/ 424.
(3) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/ 195.