الصفحة 59 من 65

وأيَّامُها في الجاهليَّة غالبُها كانت لأسباب تافهة؛ كحرب البسوس، وحرب داحس والغبراء [1] .

إنَّ الصَّبرَ قيمةٌ خلقيةٌ مرتبطةٌ بالإيمان بالله واليوم الآخر والإيمان بأنَّ ما يفوت الإنسان في الدُّنيا يأتيه في الآخرة، وكل ما يصيب المرء بسبب تمسُّكه بدينه هو في سبيل الله، وهو حسناتٌ له ورصيدٌ في الآخرة؛ ولهذا لمَّا آمَنَ الصَّحابةُ بهذه المعاني للصَّبر تحمَّلوا الأذى؛ حتى إنَّ سميَّةَ أمَّ عمَّار- رضي الله عنها- وهي جارية ضعيفة لا يؤبه لها في مجتمع مكة تصمد أمام الجبابرة ولا يفرحوا منها بكلمة تخدش في دينها حتى لاقت وجهَ الله شهيدةً في سبيل الله، وبلال- رضي الله عنه- يُعجزهم رغمَ ما صَبُّوا عليه من الأذى، وكثيرٌ من الصَّحابة- رضوان الله عليهم- أصابهم الأذى وصبروا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناله الأذى الجسديُّ بعد الأذى المعنويِّ؛ فضُرب، وحوصر، وأُخرج من أرضه وأحبِّ البلاد إليه؛ فصبر وضحَّى بذلك حتى أظهره اللهُ عليهم ومكَّنَه منهم يوم الفتح؛ فما انتقم ولكن عفا وأَكْرَمَ [2] ؛ قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ *} [العصر: 1 - 3] ، وقال تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ *} [الشورى: 43] ، وقال تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شيئا} [آل عمران: 120] .

(1) انظر: النويري، نهاية الأرب 15/ 396.

(2) انظر: سيرة ابن هشام 2/ 422 - 426.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت