الاجتهادات والآراء، وتوزن بميزانه الحقِّ.
يقول الدكتور فاروق حمادة: «السيرة النَّبوية تجسيدٌ حيٌّ لتعاليم الإسلام كما أرادها الله تعالى أن تُطبَّقَ في عالم الواقع؛ فتعاليمُ الإسلام لم تنزل لتُحْصَرَ بين جدران المساجد وداخل أروقة بيوت العلم الشَّرعيِّ وكليَّاته؛ بل تنزَّلت من الحكيم العليم لتكون سلوكًا إنسانيًّا ومنهجًا حياتيًّا يعيشها الفردُ المسلم في نفسه وشخصه، ويدركها في واقعه ومجتمعه، ويشبُّ عليها؛ فتصبحَ جزءًا لا يتجزَّأُ من كيانه، يتصرَّف على هديها في كلِّ صغيرة وكبيرة، وفي كلِّ موقف وشأن؛ فالمبدأُ النَّظَريُّ يُرى ماثلًا قائمًا في شخص صاحبه؛ وهذا ما نجده في السِّيرة النَّبويَّة؛ حيث كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجسِّم تعاليمَ الإسلام كما أرادها اللهُ تعالى أن تُطَبَّقَ في عالم الأحياء والبشر.
وذلك في جميع أحواله وظروفه؛ نومًا ويقظةً، سلمًا وحربًا، جدًّا ومداعبةً، غضبًا ورضًا، فردًا وجماعةً؛ فإذا ما فارق التَّربيةَ الإلهيَّةَ قيدَ أَنْمُلَة جاءه التَّصحيحُ والتَّنبيه والتَّعليم من الله عز وجل كما في حادثة ابن أمِّ مكتوم وغيرها». [1] ؛ ولهذا لم تجد أمُّ المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- حين سُئلت عن أخلاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحواله وأوضاعه كلمةً أدقَّ وأبلغَ من قولها للسَّائل: «ألم تقرأ القرآن؟! كان خلُقُه القرآن» [2] .
(1) مصادر السيرة النبوية وتقويمها، ص 20.
(2) أخرجه مسلم من حديث سعد بن هشام بن عامر، عنها، حديث رقم 746، وأحمد في المسند 6/ 188، من حديث جبير بن نفير عنها، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ 3/ 361 من حديث أبي الدَّرداء عنها.