الحقِّ والهدى.
وقد تحقَّق السِّيادةُ والرِّيادةُ للجيل الأوَّل عندما صَدَقَ في التَّأسِّي والمتابعة للرَّسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فتمكَّن من التَّطبيق الواقعيّ لنصوص القرآن والسُّنَّة، ولابُدَّ لاستئناف الحياة الإسلاميَّة الصَّحيحة من تمثُّل السِّيرة النَّبويَّة في الواقع المعاش على مختلف المستويات، وفي كل المواقع والنَّواحي، وأن تكون دراستُنا للسِّيرة النَّبويَّة بهذه المعاني العميقة والنَّظرة الشَّاملة، والفقه الواعي؛ حتى نصنعَ جيلَ النَّهضة، وثلَّة النَّصر وقاعدةَ التَّمكين للأمَّة.
وقد مرَّت حياةُ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - بمراحل وأطوار مختلفة، وجعل اللهُ في سيرته وتصرُّفاته تنوُّعًا وشمولًا لكلِّ جانب من جوانب الحياة ومواقفها المتغيِّرة؛ لتكون مساحةُ الاقتداء والتَّأَسِّي واسعةً وشاملةً لكافَّة القُدُرات البشريَّة بفروقها الفرديَّة وسجاياها الفطريَّة؛ فالرسول - صلى الله عليه وسلم - قدوةٌ لكلِّ المسلمين على مختلَف عصورهم وتعدُّد مواقعهم الجغرافية وأحوالهم العلميَّة ومراكزهم الإداريَّة؛ قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 21، 22] .
قال الحافظُ ابنُ كثير [1] : هذه الآيةُ أصلٌ كبير في التَّأَسِّي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أمر النَّاسَ بالتَّأَسِّي
(1) تفسير القرآن العظيم 6/ 391.