والاعتصام بالله تعالى لا ينشأ من فراغ، ولكنه ثمرة الطاعة لله تعالى والإقبال بحب واعتزاز عليه جل وعلا، مع كمال المحبة والعبودية والذل له جل جلاله وتعاظم كبرياؤه، وتعظيم ومحبة ما عظمه، وتحقير وكراهية ما حقره وأبغضه، والإنابة والفرار إليه مما سواه، فرارًا يتلاحم فيه القلب مع الفعل، والعاطفة والشعور، ولذلك فإن مواقعة الذنب والخطيئة والتلذذ بذلك ينافي الإيمان وكماله، قال - صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعدُ» [1] .
قال ابن قيم- رحمه الله: «والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبدًا، ولا يكمل بها فرحة بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه، ولكن سكر الشهوة يحجبه عن الشعور به، ومتى خلا قلبه من هذا الحزن، واشتدت غبطته وسروره فليتهم إيمانه وليبك على موت قلبه، فإنه لو كان حيًا لأحزنه ارتكابه للذنب وغاضه وصعب عليه، ولا يحس القلب بذلك، فحيث لم يحس به فما لجرح بميت إيلام» [2] .
إذا كان العلم بخطر الذنوب والمعاصي شرطًا في حصول الهداية التامة
(1) متفق عليه: رواه البخاري في صحيحه (6/ 2497) رقم (6425) ، ومسلم في صحيحه (1/ 77) رقم (57) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) مدارج السالكين: (1/ 337) .