تعالى ودلائل حكمته ولطفه وتدبيره في خلقه، فان ذلك من شأنه أن يقوي رجاءه في خالقه وسيده جل جلاله، وليتأمل في دلائل اللطف والرحمة والعناية في خلق الإنسان والأكوان، وليكثر التأمل في رحمة الله التي وسعت كل شئ، حتى إن الكافر بالله تعالى لم يحجب عنه ما به قوام حياته واستمرارها، فهو يتنفس الهواء الذي خلقه الله في كونه، ويمشي على الأرض التي ذللت بأمره سبحانه، وتشرق عليه الشمس كغيره بإذن خالقها عز جلاله، ويستفيد من طاقتها الحرارية، فهذه المخلوقات وسواها المسخرة بأمر الله تعالى في كونه من أجل خلقه لم تمتنع عن أداء عملها لمن كفر بخالقها. فالله تعالى هو رب الخلق أجمعين يرزقهم، ويطعمهم، ويرحمهم، ويعتني بهم، مسلمين وكفارًا رحمة منه وفضلًا وإحسانا، ثم يجازيهم يوم القيامة بناء على أعمالهم ولا يظلمهم، مع أنه سبحانه وتعالى لو عذب الكافرين به في الدنيا، والآخرة بالنار لم يكن ذلك ظلمًا لهم، ولكنها رحمتُه الواسعة، وليست رحمةَ الخلق الضيقة.
روي أن مجوسيًا استضاف إبراهيم - عليه السلام - فقال له: إن أسلمت أضفتك، فذهب المجوسي، فأوحى الله إلى إبراهيم: يا إبراهيم لم تطعمه إلا بتغيير دينه، ونحن نطعمه منذ سبعين سنة وهو كافر. فخرج إبراهيم في إثر المجوسي، فرده وأضافه وذكر له الأمر. فأسلم المجوسي [1] . ألا ما أوسع رحمة الله!! وأشمل فضله وكرمه وإحسانه!
(1) إحياء علوم الدين (4/ 153 - 154) .