فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 219

والحال أن الله تعالى قد سترهم أولًا ففضحوا أنفسهم- ولاشك أن في هذا السلوك تحريكًا لدوافع الشر عند الآخرين، وإثارة للفتنة وتهييجًا لغرائز الشهوة، وقد جاء الوعيد الشديد في السنة النبوية المطهرة لمن يقوم بهذا السلوك البغيض المشين تنفيرا منه وتحقيرا لشأنه، وترهيبا وتخويفا لفاعله، حتى ينأى عنه المسلم فلا يفعله. قال - عليه الصلاة والسلام: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، يبيت أحدهم على ذنب قد ستره الله عليه فيصبح فيكشف ستر الله، ويتحدث بذنبه» [1] ، وهذا لأن من صفات الله ونعمه، أنه يظهر الجميل، ويستر القبيح ولا يهتك الستر، فالإظهار كفران لهذه النعمة، وقال بعضهم: لا تذنب فإن كان ولا بد فلا ترغِّب غيرك فيه فتذنب ذنبين، ولذلك قال تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [2] ، وقال بعض السلف: ما انتهك المرء من أخيه حرمة أعظم من أن يساعده على معصية ثم يهونها عليه [3] .

ولاشك أن المجاهرة بالمعصية، والترويج لها بكثرة الحديث عنها، وترغيب الآخرين فيها لا يصدر إلا عمن نكس الله قلبه، وأعمى بصيرته، ومسخ عواطفه ومشاعره، وأظلم نفسه، فهو يرى الباطل حقًا، والفاحشة زينًا، والفساد إصلاحًا، والصد عن سبيل الخير دعوة، فظاهره إنسان، وباطنه شيطان عياذًا بالله.

والله تعالى مسخ اليهود قردة وخنازير حين جاهروا بالمعصية وتنادوا إليها، وسواء وقع المسخ على أبدانهم وقلوبهم، أو على قلوبهم، فإن ما حلَّ بهم دليل على أن التجاسر على المعصية والمجاهرة بها من أسباب مسخ القلوب وخسفها، فيخسف بها كما يخسف بالمكان وما فيه، وعلامة خسف القلب كما يقول ابن قيم الجوزية: «أنه لا يزال جوالًا حول السفليات، والقاذورات والرذائل، كما أن القلب الذي رفعه الله وقربه إليه لا يزال جوالا

(1) أخرجه البخاري في صحيحه (5/ 2254) رقم (5721) ، ومسلم في صحيحه (4/ 2291) رقم (2990) .

(2) سورة التوبة، الآية (67) .

(3) إحياء علوم الدين: (4/ 33) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت