فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 219

قال الأزهري: قال الفراء (إلا اللمم) معناه: إلا المتقارب من الذنوب الصغيرة.

وقال أبو إسحاق الزجاج: أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة، ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه، يقال: ألممت به، إذا زرته، وانصرفت عنه، ويقال: ما فعلته إلا لمما وإلمامًا، أي الحين بعد الحين، وإنما زيارتك إلمام، ومنه: إلمام الخيال [1] .

على أنه قد ورد عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما تفسير (اللمم) بأنه يلم بالكبيرة ثم لايعود إليها، وكذلك ورد هذا التفسير عن الحسين رحمه الله.

قال السدّي: قال أبو صالح: سئلت عن (اللمم) فقلت: هو الرجل يصيب الذنب، ثم يتوب وأخبرت بذلك ابن عباس فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم [2] .

قال ابن قيم: «وهذه اللفظة فيها معنى المقاربة والإعتاب بالفعل حينا بعد حين، فإنه يقال: ألمَّ بكذا إذا قاربه ولم يغشه، ومن هذا سميت مقدمات الزنا من نظر وغيره لممًا؛ لأنها تلم بما بعدها، ويقال: فلان لا يزورنا إلا لماما، أي حينًا بعد حين. فمعنى اللفظة ثابت في الوجهين اللذين فسر الصحابة بهما الآية وليس معنى الآية ? ? ? ? ? [3] أنهم لا يجتنبونه فإن هذا يكون ثناءً عليهم بترك اجتناب اللمم، وهذا محال، وإنما هذا استثناء من مضمون الكلام ومعناه، فإن سياق الكلام في تقسيم الناس إلى محسن ومسيء، وأن الله يجزي هذا بإساءته وهذا بإحسانه، ثم ذكر المحسنين ووصفهم بأنهم يجتنبون كبائر الإثم والفواحش. ومضمون هذا: أنه لايكون محسنًا مجزيًا بإحسانه ناجيًا من عذاب الله، إلا من كبائر الإثم والفواحش، فحَسُنَ حينئذ استثناء اللمم. وإن لم يدخل في الكبائر فإنه داخل في جنس الإثم والفواحش، وضابط الانقطاع: أن يكون له دخول في جنس المستثني منه وإن لم يدخل في نفسه، ولم يتناوله لفظه كقوله تعالى: ? ? ? [4] فإن (السلام) داخل في الكلام الذي هو جنس اللغو والسلام [5] .

وجاء في السنة النبوية ما يدل على الصغائر بالمعنى وليس باللفظ، ومن ذلك قول النبي?: «إياكم ومحقرات الذنوب» [6] .

وإذا كانت التوبة هي ترك الذنب، ولا يمكن ترك الشيء إلا بعد معرفة خطره وشره وأنه لا فائدة منه بكل حال.

وإذا كانت التوبة واجبة كان ما لا يتوصل إليها إلا به واجبًا، وعلى ذلك فإن معرفة الذنوب واجبة، ومعرفة كبائرها وصغائرها أمر واجب، فلكل منها توبةٌ، فهي لذلك ليست واحدة، كما أن الجزاء المترتب عليها ليس واحدًا كذلك، فعقوبة الزنا ليست مثل عقوبة النظر، وعلى ذلك فإن الحديث عنها - وصفًا وبيانًا لها - يكتسب أهميته من زاوية أن ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب.

وثمة سؤال يفرض نفسه في هذا المقام وهو: لماذا كان تقسيم الذنوب إلى صغائر، وكبائر؟ ولماذا لم تكن كلها كبائر فقط، أوصغائر؟

(1) انظر: لسان العرب لابن منظور: (12/ 549) .

(2) مدارج السالكين: (1/ 316) .

(3) سورة النجم، الآية (32) .

(4) سورة مريم، الآية (62) .

(5) مدارج السالكين: (1/ 318 - 319) .

(6) صحيح، أخرجه أحمد في المسند (5/ 331) من حديث سهل بن سعد، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (1/ 522) رقم (2686) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت