والحال أن الله تعالى قد غفر لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ذنبه ما تقدم منه، وما تأخر. فالمكلَّفون كلهم في مقام الاحتياج للتوبة إلى الله تعالى، ولا تخلو ساحة واحد منهم من ذلك الاحتياج، وهي ليست توبة واحدة، ولكنها مختلفةٌ باختلاف أحوالهم.
وقد بيَّن الغزالي - رحمه الله- في «الإحياء» أن الإنسان لا يخلو عن معصيةٍ، ولو خلا عن معصية الجوارح لم يخل عن الهمِّ بالذنب بقلبه، وإن خلا عن ذلك لم يخل عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله تعالى، ولو خلا عنه لم يخلُ عن غفلةٍ وقصورٍ في العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقصٌ، ولا يسلم أحدٌ من هذا النقص، وإنما الخلق يتفاوتون في المقادير، وأما أصل ذلك فلا بد منه [1] .
وعلى ذلك فالتوبة لابد منها لكل مسلمٍ مهما كانت مكانته في الطاعة والعبادة والتقرب من الله تعالى، لأنها - أي التوبة - سترٌ وكمالٌ وجبرٌ لنقص المسلم المكلف بها؛ لأن الإنسان في أصل خلقه ميال للشهوات، ولو ترك لذلك بغير توبة لهلك، وذلك أن كل شهوةٍ اتبعها الإنسان ارتفعت منها ظلمةٌ إلى قلبه، كما ترتفع عن نَفَس الإنسان ظلمةٌ إلى وجه المرآة الصقيلة، فإن تراكمت ظلمة الشهوات صارت رَيْنًا، كما يُصْدِئُ بخارُ النَفَس وجه المرآة عند تراكمه عليها، كما قال تعالى: ? ? ? ? ? ? ? [2] فإذا تراكم الرَّيْن صار طبعًا [3] .
إن التوبة من معالم جهاد المسلم لنفسه وشهواته، وسيئاته؛ ولذلك فينبغي أن تأخذ التوبة مكانتها وحظها في النفوس، اهتماما بشأنها، وتعظيمًا لأمرها، وإخلاصًا في العمل بها، وإقبالًا عليها، ومتابعة لها، وتفقدًا لأحوالها ومراجعة لسيرها وأثرها، وهي عملية تربوية يتعامل من خلالها المسلم التائب مع نفسه تعاملًا فيه المهارة والمعرفة بغرائب النفس وأحوالها، والصبر على مفاجآتها حتى يتمكن من حملها على السير في طريق التوبة، وقد هَجَرتْ ما كان محبوبًا إليها بالأمس. إن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور» [4] مائة مرة في المجلس الواحد لهو أمرٌ ينبغي الوقوف عنده طويلًا لإدراك بعض الأسرار والحكم والدلالات التربوية القريبة والبعيدة التي يدل عليها، حتى يمكن فهم دور التوبة وأثرها في
(1) إحياء علوم الدين (4/ 10) .
(2) سورة المطففين، الآية (14) .
(3) انظر: الإحياء (4/ 10) .
(4) سبق تخريجه.