والغبريني قريب عهد بابن عصفور، بل هو معاصر له، وهو من أهل بجاية التي سكنها ابن عصفور، وأقرأ فيها مدة، فروايته لا بدّ أن نأخذها مأخذ الجد، لا سيما أن الرجل ثقة، إذ كان قاضيًا للقضاة في بلده 0
وحين ندقق هذه الرواية لا نرى فيها ما يتعارض مع مَن قال بأنه لم يكن عنده ما يؤخذ عنه سوى العربية وعلومها، فهذا الشرح الذي ينسب لابن عصفور لم يزد عن كونه شرحًا لغويًا، يغلب عليه طابع الاهتمام بالقضايا الأدبية في لغة القرآن الكريم وأسلوبه، ولم يكن تفسيرًا يُعنى بالأحكام، وأمور الفقه والمعاملات من العلوم القرآنية، التي تتطلب تخصصًا وتعمقًا، وهذا ما نلمسه من قول الغبريني، فالقرآن لا شكّ نص أدبي، يمثل أعلى مراتب الفصاحة في العربية، وليس عسيرًا على عالم كابن عصفور الذي لقب بحامل لواء العربية [1] في زمانه بالأندلس، والذي قيل فيه أنه أعظم لغوي في عصره في الأندلس [2] ، وأنه بقية الحاملين لعلم اللسان، والمقر له في ذلك بالإجادة والإحسان [3] ، ليس عسيرا عليه أن يتصدى لشرح جزء من القرآن شرحًا أدبيًا يتعلق بالألفاظ، ثم بالمعاني، ثم بإيراد الأسئلة الأدبية على أنحاء مستحسنة 0
ويقول الغبريني [4] : (وتدل تآليفه على أنّ له مشاركة في علم المنطق، ولأجل ذلك حسن إيراده فيها تقسيمًا وحدودًا واستعمالًا للأدلة) 0
وليس غريبًا على نحوي عاش في إشبيلية، وتلقى علومه فيها، أن يطلع على علوم المنطق، فقد كانت مُستقرًا للعلوم العقلية، وقد كان المنطق أمرًا أساسيا في أعمال النحاة ما دام في النحو أحكام تُستنتج، وقياس يُتّبع، فلا عجب إذا كان ابن عصفور درس المنطق 0
لقد كان ابن عصفور مرموق المكانة العلمية في عصره، ذائع الصيت، وقد أشاد به معاصروه، وسجلوا له التقدم، وقدّروا فيه نبوغه العظيم، وعقليته الناضجة، وأفقه الواسع، وفكره المشرق، وعلمه الغزير 0
ـ 25 ـ
(1) البلغة في تاريخ أئمة اللغة ص 170، بغية الوعاة 2/ 210، شذرات الذهب 5/ 230، الخوانساري، روضات الجنات 5/ 283
(2) بروكلمان، تاريخ الأدب العربي 5/ 366
(3) تقريب المقرب ص 32
(4) عنوان الدراية ص 190