للثقافة الإفريقية، فحياته امتزجت في طور الشباب الباكر بالثقافة الأندلسية، وامتزجت بعد ذلك بالثقافة الإفريقية، ولعل تأثير الأخيرة فيه كان أعمق وأبلغ، ومع هذا الامتزاج إذا نظرنا إلى الثقافة التي حصل عليها ابن عصفور وجدناها في دائرة محددة، وكأنه قد عاش في جوِّ غير علماء عصره، فقد أجمع المترجمون الذين ترجموا له أنه لم يكن عنده ما يؤخذ عنه سوى العربية، ولا تأهل لغير ذلك [1] 0
ويبدو لنا أنّ السبب في ذلك عائد إلى أن ابن عصفور آثر العزلة في ذلك الجو السياسي القلق، وتتلمذ على نفسه تلمذة مكنته من إجادة هذا اللون من العلوم الذي لا يحتاج في تحصيله إلى إطالة صحبة الأساتيذ، هذا فضلًا عن كون شيوخه الذين تلمذ لهم لم يشتهروا إلاّ في هذا اللون من العلوم 0
أخذ ابن عصفور علوم العربية عن رجلين من أجلّ شيوخ العصر، وكانت إمامتهما مسألة لا تحتمل الجدل أو النزاع فيها، فكان الشلوبين إلى جانب تدريسه النحو يقرئ طلابه كتب الأدب، ودواوين الشعر [2] ، كما كان الدبَّاج يقرئ العربية والآداب والقراءات، ولكنّ ابن عصفور لم يكن له تعلق بعلم القراءات [3] ، ولا الفقه والحديث، وما لم تمتد إليه يد الفناء من آثار ابن عصفور ينبئ عن اتصالٍ بنواح كثيرة من علوم العربية وآدابها، من نحو وصرف، وشروح لآداب الجاهليين والإسلاميين شرحًا أدبيًا يكشف عن تمكنه من فهم النصوص الأدبية 0
لقد تنوعت دراسات ابن عصفور العربية حتى كادت تشمل أكثر علومها في عصره، غير أن النحو والصرف كانا غالبين عليه، حتى أنه كان فيهما بحرًا لا يشق لجه، وصار يضرب به المثل في دقائق النحو، وغوامض الصرف 0
يقول الغبريني: اخبرني بعض أصحابنا أنه شرح جزءًا من كتاب الله العزيز، وسلك فيه مسلكًا لم يُسبق إليه من الإيراد والإصدار والإعذار بما يتعلق بالألفاظ ثم بالمعاني، ثم بإيرادات الأسئلة الأدبية على أنحاء مستحسنة، وقال: لو أعانني الوقت، وأمدّني الله بالمعونة منه، وأكمل هذا الشرح على هذا المنزع؛ لكان ذخيرة العالم 0 قال الغبريني: وهو مَن له القدرة على هذا، وهو أولى الناس بشرح كتاب الله تعالى [4] 0
ـ 24 ـ
(1) صلة الصلة ص 143، الصفدي، الوافي بالوفيات 12/ 218، بغية الوعاة 2/ 210
(2) القدح المعلى ص 152
(3) الوافي بالوفيات 12/ 218
(4) عنوان الدراية ص 190