بسم الله الرحمن الرحيم
يترك العلماء في حياة أممهم ملامح مميزة في التراث الفكري والحضاري ونتاج هؤلاء العلماء هو محصلة علوم ومعارف كثيرة، استوعبوها وتمثلوها، ثم تمكنوا من إعطائها بصورة تدعم المسار الفكري الذي كان هدفًا لنشاط هؤلاء الأعلام، ثم يقع نتاجهم في دائرة البحث عبر العصور المختلفة، فيكون مدعاة للتحقيق والتقويم والتحليل 0
وابن عصفور واحد من هؤلاء العلماء، وهو محظوظ بأي قياس قسته، فقد كان واحدًا من كبار علماء العربية في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي الذين عرفتهم الأندلس في تاريخها الزاهر، فقد ملك من القدرات ما هيأه ليكون مقصد الطلاب، يأخذون عنه النحو، ويحفظون آراءه، ويغرمون باتجاهه، فاستحق أن يوصف بحامل لواء العربية في عصره، إذ قدّم لتراثنا النحوي رصيدًا ضخمًا، وما عدت عليه عوادي الزمن من مصنفاته لم يحل دون إظهار منزلة بعض كتبه الأخرى، التي ما زالت على منزلة رفيعة من المكانة العلمية، والقيمة الجليلة التي لا يمكن لأي باحث أن يتجاهلها، أو يغض منها 0
ولّما كان من أيسر مظاهر الوفاء لتراثنا أن ينشر على الناس، رأيت أن أجعل كتاب ابن عصفور هذا موضع التحقيق، أضف إلى ذلك أن عملية بعث التراث ضرورة موضوعية ملحّة، لأنها عملية كشف الإنسان في الإنسان، وتقييم الخلف للسلف، وبمثل هذا العمل تكتمل المثل الفكرية لعبقرية الأمم، وبمثل هذا أيضًا يرتبط الحاضر بشرف الماضي، ويتحقق النصر على الجانب المادي للتراث 0
جميل عويضة