لقد كان أبو حيان نحويا لغويا مفسرا محدثا، أخذ عن مئات العلماء في المغرب والمشرق، وله مصنفات كثيرة، مات سنة 745 هـ / 1344 م 0
فهل تلمذ أبو حيان لابن عصفور حقيقة؟
لقد ولد أبو حيان عام 654 هـ / 1256 م، في غرناطة، في أواخر شوال [1] ، ولكن بعض المؤرخين يذكر أنه ولد بمطخارش، وهذه ليست مدينة قائمة برأسها، بل هي ضاحية من ضواحي غرناطة، أو حيّ من أحيائها [2] 0
وكان ابن عصفور هاجر من الأندلس إلى تونس عام 633 هـ / 1235 م، كما أسلفنا، ورجّحنا أن عودته إلى الأندلس ربما كانت بعد سقوط إشبيلية، أي بعد عام 646 هـ / 1248 م، ولا نظن أنه مكث في الأندلس مدة طويلة، بل كرّ راجعًا إلى تونس، ونظن أن عودته إلى تونس كانت قبل ولادة أبي حيان، وظلّ في إفريقية حتى وافته المنية، أمّا خروج أبي حيان من الأندلس فكان سنة 679 هـ [3] / 1280 م، أي بعد وفاة ابن عصفور بعشر سنوات، ويغلب على ظني أنّ المترجمين إنما يعنون أنه تلمذ على كتب ابن عصفور، ولم يسمع منه، فهم يقولون [4] : تخرج به، وعلى كل حال فإن لم يسمع من ابن عصفور، فقد كان له أثر لا يجحد في نشر كتب ابن عصفور وشرحها، والإفادة منها، بحيث جسّر الناس على مصنفات ابن عصفور، ورغّبهم في قراءتها، وشرح لهم غامضها، وخاض بهم لججها 0
ثقافته ورأي العلماء فيه:
نشأ ابن عصفور ولوعًا بالعلم، محبًا للثقافة، مقبلًا على مؤلفات القدماء يلتهمها التهامًا، ويهضم ما فيها، متريثًا أمام نصوصها، شأنه في ذلك شأن الطالب المعتمد على نفسه، الذي يقرأ بفكر واع، وقد جمعت له الأسباب التي تؤهله لأن يكون رجلًا عظيمًا، واحد عصره ـ كما يقولون ـ فبيئة تلوح بالعلم، وتدفع إليه دفعًا، وقد مُنح العقل المفكر، والذهن الألمعي، والحافظة الذاكرة، والرغبة الدافعة، ثم إن رحلته إلى تونس القطر الأفريقي الحافل بأكثرية الفقهاء التي يقابلها الرواة والمؤرخون وأرباب العربية، قد عاش فيه ابن عصفور، فكما كان للثقافة الأندلسية تأثير فيه، كذلك كان
ـ 23 ـ
(1) شذرات الذهب 6/ 145
(2) مصطفى النماس، مقدمة ارتشاف الضرب 1/ 3
(3) نفح الطيب 2/ 584
(4) تراجم المؤلفين التونسيين 3/ 392