الصفحة 50 من 66

فهذه بعض الأدلة الدالة علي جواز العمل بالقرائن وبناء الأحكام عليها، وأن عدم الأخذ بالقرائن جملة يؤدي إلي إضاعة كثير من الحقوق، وبالاستقراء يعلم أن بعض القرائن لا تقل قوة فبالدلالة علي الحق عن الشهادة والإقرار، إن لم تكن أقوي منها.

وإذا كان العمل بالقرائن أمرًا مشروعًا كما تدل عليه تلك الأدلة، فإن التوسع في ذلك والاعتماد علي كل قرينة قد يؤدي إلي مجانبة الحق والبعد عن الصواب، فيجب ألا يتعجل في الأخذ بالقرينة إلا بعد إمعان النظر وتقليب الأمر علي مختلف الوجوه، إذ قد تبدوا القرائن قاطعة الدلالة لا يتطرق إليها احتمال، فلا تلبث أن يتبين ضعفها ويتضح أنها بعيدة عما يراد الاستدلال بها عليه.

علي أن الاحتياط في الأخذ بالقرائن ليس معناه أنها لا تعتبر إلا إذا كانت دلالتها قطعية، لأن ذلك أمر يصعب تحققه، فما من دليل إلا ويتطرق إليه الاحتمال، وإنما مبنى الأمر علي الظن الغالب.

فإن أقوي الأدلة الشرعية الإقرار والشهادة، وقد دلت بعضًا من الحوادث علي أن بعضًا من الإقرارات لا يكون مطابقًا للواقع، لأنه صادر تحت تأثير الرغبة أو الرهبة، أو عدم التصور الكامل للشيء المقر به. وأن بعضًا من الشهود قد يبدوا صدقهم فيما شهدوا به لاتصافهم بالعدالة الظاهرة، ثم تسفر الحقيقة عن خلاف ذلك فليس ما يعتري القرينة من احتمال الضعف بأكثر ولا بأقوى مما يعتري الشهادة أو الإقرار، ومن يتتبع المأثور عن قضاة السلف في مختلف العصور لا يساوره شك في أن الأخذ بالقرائن والعمل بمقتضاها في إثبات كثير من الحقوق أمر تدعو إليه الشريعة، ويتفق مع غرض الشارع من إقامة العدل بين الناس وإيصال الحقوق إلي أربابها (1)

(1) - أنظر: النظرية العامة لإثبات موجبات الحدود 2/ 216 ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت